

كوليت بهنا: كهرباء تونسية- مصرية
سئل يوما أفريقي وياباني وعربي سؤالا محددا هو: مارأيك بانقطاع الكهرباء؟ . أجاب الأفريقي : ماذا يعني (كهرباء)؟ فيما أجاب الياباني : ماذا يعني (انقطاع) ؟ أما العربي فكان جوابه: ماذا يعني ( رأيك)؟..
اليوم ، تبدو هذه الدعابة السوداء فيما يخص العربي وكأنها صارت من ماضيه ، حيث إنه لم يعد يكتفي بالتعبير عن رأيه بالقول والفعل ، بل بتفاخره بأنه بات أيضا يمتلك ارادة ، تفسرها العبارة الذهبية (الشعب يريد.. ) وهي الشعار العريض الذي حمله المتظاهرون في كل من ثورتي تونس ومصر ومن ثم باقي الدول التي تنتفض شعوبها تباعا وبسرعة تضع المرء في حالة مستمرة من الذهول لسرعة تلاحق الأحداث وتصعيدها الدراماتيكي وكأن كهرباء حقيقية بتعبيرها المجازي كطاقة سرت بدمائهم وأنارت سبلهم ووعيهم ورؤاهم .
تبدو الأسباب المعلنة مثل الجهل والبطالة والفقر والإذلال وسوء الرعاية الصحية والتعليم وعدم تكافؤ الفرص وانعدام العدالة الاجتماعية إلى جانب انتشار الفساد العام كالرشوة والمحسوبية والعشائرية ونهب الثروات والمال العام والهوة السحيقة بين بعض الأنظمة وشعوبها، كلها أسباب شعبية مشروعة لمثل هذه الانفجارات المتتالية ، لكن المرء يقرأ أيضا أن حراكا نفسيا كان يتفاعل ويتراكم عبر السنوات القليلة الأخيرة داخل الانسان العربي (الشباب بصورة خاصة) جعلته يتساءل بمرارة دوما: من أنا وماهو مستقبلي ، ولماذا تتقدم وتتطور بعض الدول وأنا أتراجع وأتخلف ؟ لماذا يكون لمواطني بعض الدول قيمة وأنا العربي ابن الأمجاد والتاريخ لست أكثر من رقم نكرة في وطني؟ أسئلة كثيرة لاقت صداها حين فتحت للشباب بعض سبل التنفيس والتعبير، فاستعملوا كل وسائل العصر الحديثة التقنية وكل منافذ التواصل الاجتماعي الالكترونية للتفاعل فيما بينهم ، كاسرين حاجز الخوف كخطوة أولى تحت شعار : إن لم نتحرك سنخسر الحاضر والمستقبل معا ..
وفيما لو عدنا إلى بدايات القرن العشرين ، سنجد أن التطور التقني والصناعي والعلمي واكبه ثورات و تغيير في المشهدين العربي والعالمي، حيث كان لمجىء القطار ومن ثم السيارة والطيارة والكهرباء والبرق والراديو والهاتف والتلفزيون واختراع الآلة الفضل الأكبر في سرعة التواصل الذي فتح بدوره آفاقا جديدة للاطلاع على تجارب ورؤى وأفكار حديثة أسهمت في التغيير في آلية التفكير السائدة واستبدالها بنظم وآليات تفكير تواكب روح العصر وحداثته. المشهد ذاته يتكرر اليوم مع بدايات القرن الواحد والعشرين ، حيث راكمت السنوات العشرون الأخيرة من ثورة الفضائيات ومن ثم الهواتف الخليوية والأنترنيت إضافة إلى فتوحات علمية في مجالات الطب والفيزياء والكيمياء وغيرها، وعيا جديدا كما تقدم أعلاه ، أسفر عن أهم ماحاولت بعض الأنظمة القمعية تغييبه وهو : إعمال العقل العربي .
لكن الفارق بين الأمس واليوم هو أن النخب السياسية والفكرية الوطنية العربية التي تحركت مطلع القرن العشرين للتخلص من الاحتلال التركي . لم تجد في حينه شارعا يدرك دوره أو يمتلك وعيه بسبب العزلة وسيطرة الأمية والجهل والتخدير الذي دام عليه أربعة قرون الأمر الذي شكل أرضية سهلة ومهد لاحقا إلى حلول الاستعمار الغربي في عموم البلاد العربية ، فيما يختلف المشهد اليوم مع شارع يرى ويسمع ويفهم ويتحرك ، يقوده شبان ينظرون للعصرنة والحداثة والنظم الجديدة والمواطنة الصالحة بعيدا عن أيديولوجيات أو رؤى سلفية أو نظم بائدة ، مستعدون- كما بدوا- أن يحموا أوطانهم ويقودوا عملية التغيير بأنفسهم وأرواحهم ودمائهم على أسس أن محاكاتهم للتجارب العالمية المتقدمة تأتي من باب التعاون والتبادل الانساني المثمر وليس من باب التبعية أو تقديم التنازلات أو العبث بالمبادىء الوطنية السامية .
يتمنى المرء أن تثبت السنوات القليلة القادمة نتائج هذه الثورات على مبدأ ( كل تغيير فيه خير) وليس على مبدأ ( مابتعرف خيرو لتجرب غيرو).. وإلى حينه ، مارأيكم في انقطاع الكهرباء؟؟
المصدر: مجلة جهينة
March 21st, 2011 - 11:10 AM
التعليقات على الموضوع:
عامر
سورية الحبيبة
حلو ياكوليت.. حلوة كتير.. بس انشا الله الكهرباء ماترتفع فاتورتها كتير..

نقولا ناصيف: كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً


















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.

عبد اللطيف
صار لي زمان ماقريت شي أمتعني ياكوليت دايما كتاباتك حلوة وسلسلة وذات فائدة شكرا لك وأرجو المزيد وأين تنشرين هذه الأيام فكما تعلمين انشغالاتي بالمشفى لاتتيح لي المتابعة باستمرار ,