تكثر هذه الأيام المجادلة والمناقشة في قضايا عامة ومع تعمق النقاش وتشعبه تظهر الاختلافات في وجهات النظر وفي التحليل وفي رؤى الغد... وكلما اتضح الخلاف بالرأي اكتشفنا كم نحن بحاجة أكثر إلى تعلم ثقافة الاختلاف وما تقتضيه من سعة صدر وقبول لمبدأ أن كلاً منا لا يستطيع أن يدعي امتلاكه الحقيقة وفي أحيان كثيرة لا نمتلك حتى أجزاء منها.
وقبل أن نجلد أنفسنا بكثير من سياط لا نستحقها علينا أن نتذكر أننا تعلمنا على مدار سنوات وسنوات فضائل التفكير الموحد وحتى اللباس الموحد وبدا لنا أن الطبيعي ألا نختلف أو على الأقل ألا يظهر هذا الاختلاف.. لهذا نحن نتعثر في أي تجربة للاختلاف ويتحول اختلاف الرأي من فرصة لإغناء التجارب إلى تنازع في الأفكار وتسخيف لكل من يخالفنا حتى ولو كان الخلاف على تفاصيل صغيرة وليس على مبادئ عامة.
وهنا لا أحاول التبرير بقدر ما أحاول فهم الأسباب التي جعلتنا لا نتقن فن الاختلاف في الرأي ولا نمتلك صبراً كافياً على الصوت الذي لا يشبهنا، وغالباً ما يصل بنا الحوار حتى في الأمور التي لا تستدعي الحدة إلى تمسك كل منا بموقفه دون تنازل أو حتى تفهم ما يريده الآخر.. وتحويل الخلاف إلى خصام.
قيل لقيس بن عاصم بما سدت قومك؟ قال: لم أخاصم أحداً إلا تركت للصلح موضعاً...
ويقول أحد الحكماء: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: فإن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.
بينما معظم مشاكلنا في إدارة الأزمات تقوم على اعتبار أنفسنا الأكثر ذكاء والأحق بأن يتبع الآخرون آراءنا وأفكارنا وحتى خطانا.
الآن نحن بحاجة لتعلم ثقافة جديدة أساسها أن الاختلاف بالرأي ليس باباً لاتهام الآخر بل باب للحوار معه ومحاولة الوصول معاً لفكرة جديدة تحمل في داخلها مورثات مجموعة أفكار بعضها متضارب وبعضها متوافق.
وفي ثقافة الاختلاف أيضاً ما يصادفنا من حالات يقدم فيها الشخص آراء متباينة بحيث تكون على مقاس الشخص الذي يقابله وخاصة إذا كان من ذوي التأثير. وبرأيي أن هذا النوع أسوأ بكثير من تختلف معهم بالرأي بشكل واضح ولعل ضرر هؤلاء أكبر وخاصة أنهم يساهمون بتجميل الأخطاء ويحثون على الاستمرار بها وهم بذلك يصنعون مزيداً من الأخطاء وفي هذا إضافة إلى كونه نفاقاً مفضوحاً فإنه ضار وأكثر ما يكون ضاراً من المثقفين وصناع الرأي!!!
دعونا جميعا نتوقف عن التباري في وصف الحريق.... تعالوا نساهم في إطفائه.


المصدر: الوطن السورية

May 4th, 2011 - 03:20 AM بوكمارك