عبارة وردت على لسان أحد المسؤولين الحكوميين لفتت نظري إلى العبء، أو الأعباء التي يتحملها المواطن، والتي لا تتوقف عند أعباء المعيشة والسكان والنقل والصحة والتعليم وغيرها، بل أضافت إليه عبئاً آخر هو أنه يتحمل مسؤولية كل ما يصيبه في كل القطاعات تقريباً.
 يقول هذا المسؤول المتأنق على كرسيه الهزاز
على المواطن أن يتعلم ألا يشتهي الخضار في غير موسمها، لأنه إذ ذاك عليه أن يدفع سعراً عالياً!
وسألت نفسي
ـ ترى من هذا الذي يتحدث ويطلب من المواطن ألاّ يطالب بالخضار في غير موسمها، وإلا فعليه أن يدفع ولا يشكو السعر المرتفع والغلاء؟!
هل هو المدير الممثل برجل، أم الكرسي متمثلة بمدير؟!
إنه الكرسي الذي يتحدث، وليس الشخص، وقياساً نسمع كراسي في جهات عامة عديدة ممثلة بأشخاص تطالبنا بعدم الشكوى من التقنين لأننا نحن الذين نضيء أكثر من حاجتنا من المصابيح، وعدم الحديث عن الحواجز الحديدية التي تفصل الشوارع عن الأرصفة، لأن بعضنا يرفض صعود الدرج لعبور الشارع حتى ولو كان مريضاً. كذلك علينا اعتياد التقليل من الطعام حتى لانشكو عدم قدرتنا على تلبية متطلبات عيشنا من الغذاء، حتى إن علينا اعتياد الصمت لمعرفة فضائله!
إن المشكلة هي في اعتياد المواطن عادات لا تصلح لزمن اقتصاد السوق الذي يسيطر على أسواقه مقولة العرض والطلب، في الغذاء والكساء والسكن، وقريباً ربما الصحة والتعليم. لذلك عليه أن يرضى بالقليل، وألاّ يطالب إلا ما تقرره الكراسي أن يطالب به، وهي في مجال الغذاء تقرر متى تبدأ مواسم كل سلعة ومتى تنتهي، وليس الطبيعة والمناخ، حتى صار فصل الصيف ليس موسماً للبندورة، والخرييف ليس موسم خضار أخرى كالبامياء والبازلاء التي اعتدنا انتظار أشهره لتعزيز هذه المنتجات.
ولأن الكرسي هو الذي يتكلم فلماذا نلومه، وهو الذي لا يعرف الأسواق، ولا خيرة له بالمواسم، وقد صار الكرسي في مواقع حكومية عديدة هو من يوحي بالكلام للجالس عليه،فيتحدث بكل ما يمليه عليه حتى لا يفقده!
لكن هل يمكن لهذا الجالس على الكرسي، الغاطس فيه إلى درجة التماهي معه أن يغير حديثه، ويتراجع عن اتهام المواطن بأنه سبب الأزمات التي نعانيها في الأسعار والكهرباء ومشتقات الطاقة وغيرها إذا ترك الكرسي؟!
بالتأكيد سيغير حديثه، وسيتغير بتصرفاته، حتى لتخال أنك أمام شخص آخر له رأيه الذي يقف فيه إلى جانب المواطن مطالباً بتحسين أحواله وأوضاعه، ومراقبة الأسواق كافة لضبطها كي لا تنفلت تحت ضغط المضاربات وغياب مشاعر التقى وراء الرحمة عن عمل التجارة، ومثل هذا الرجل قد يكون مديراً أو محافظاً أو وزيراً، وفي ذاكرتنا العديد من أسماء هؤلاء الذين اختلف حديثهم بعدما تركوا الكرسي، لذلك من الطبيعي أن نسمع ذاك المسؤول يحمّل المواطن مسؤولية ارتفاع الأسعار لأنه يتحدث نيابة عن كرسي لا يرى ولا يسمع، لذلك ما علينا بوصفنا مواطنين إلا اعتياد سماع الاتهامات بأننا وراء كل الأزمات الحالية وحتى القادمة، ومنها الاحتباس الحراري الذي تسبب بهذا الجفاف الذي نعانيه وانعكس على زراعتنا، وبالتالي أسعار منتجاتنا!
ويمكن للكرسي عندنا أن يقذف عنه كل من يتجاهله، وسيأتي بغيره ممن يكون على استعداد لأن يفتح أذنيه أكثر ولا ينطق بغير ما يزيده التصاقاً به إلى درجة الذوبان فيه.. ولأجله.
كتبت، مرة مقالة حول شأن في قطاع من القطاعات، وسألت مسؤولاً سابقاً عن رأيه بما كتبت فامتدح كل كلمة سطرتها، وتشاء المصادفات بعدئذ أن يعود ليصير مسؤولاً في هذا القطاع، فكتبت مرة أخرى عن مشكلات فيه، وعندما أردت أن أسأله رأيه صار يرفض أن يرد على مكالماتي!
لم أستغرب ذلك، لأنني كنت في المرة الأولى أريد الاستمتاع إلى رأي الرجل فأجابني، لكنني في المرة الثانية كنت أريد الاستمتاع إلى الكرسي فلم يجبني، وقد صار الرجل هو الكرسي وقد تماهى فيه حتى حالة الذوبان، فلم نعد نرى أو نسمع رجلاً، إنما صرنا نرى ونسمع كرسياً!
ماذا أقول فيك أيها الكرسي، في أي موقع تنفيذي كنت! لقد خرّبت كثيراً لأن من يجلس عليك همه أن يبقى مدى الحياة لو استطاع، لذلك كان لصوتك مطيعاً، وبرأيك ملتزماً، ومسكين هذا المواطن معك!

 


المصدر: صحيفة النور

November 23rd, 2010 - 03:52 PM بوكمارك