خلافاً للكثيرين الذين ساءهم ما أقدمت عليه وزارة التربية من اعتماد بعض القصائد الشعبية المكتوبة بالعامية ضمن منهاج الموسيقا للصف السابع ـ حسب ما أورد الزميل عبسي سميسم في تقريره على موقع داماس بوست الالكتروني ـ فإن هذا الخبر جعلني أشعر بشيء من التفاؤل. أعتقد إنه توجه صحيح رغم أن اختيار النماذج ربما يكون خاطئاً..
آن لنا أن نعترف بأن العامية صارت أمراً واقعاً، فضلاً عن كونها تختزن الكثير مما يصلح استخدامه والاقتداء به بلا أدنى خجل أو إحساس بالذنب.
وفي كل الأحوال فإن إدراج قصائد عامية ضمن المناهج التعليمية هو أكثر واقعية وانسجاماً مع روح العصر من المعركة الشرسة التي تخوضها مجامع اللغة العربية اليوم من أجل تفصيح الإعلانات التجارية، مستخدمة من أجل ذلك صيغ أقل ما يقال فيها أنها مستهجنة وعسيرة الهضم..
 مؤخراً ابتكر أحد هذه المجامع مصطلح (الحكّوم) ليحل مكان (الريمونت كونترول)، وعندما جال تقرير تلفزيوني على عدد من الشوارع العربية لاستفتاء الناس في هذا الإنجاز التعريبي الجديد، كانت الاستجابة موحدة تقريباً، إذ ظن الجميع أنهم أمام واحد من تلك المقالب التي تعدها الكاميرا الخفية.. وقبل ذلك كانت جميع المجامع قد أصرت على استخدام مفردة (حاسوب) عوضاً عن (كمبيوتر) غير أن أياً منا لم يخطر له استخدام (حاسوب) إلا على سبيل المزاح أو في امتحانات اللغة العربية.
هكذا ينتقل سدنة الفصحى من معركة خاسرة إلى أخرى... ولكن ما الذي يجب أن نستنتجه من ذلك؟ هل العربية لغة بالية لا تصلح لمواكبة العصر..أم أننا شعب يتنكر لأصله ويتوق إلى الخروج من جلده..؟!
الاستنتاج الوحيد الصحيح هو أن العيب يكمن في أساليب الدفاع عن اللغة العربية والتي غالباً ما تقود إلى نتائج عكسية..
تفاخر اللغة الانكليزية في قدرتها على استيعاب أكبر عدد من المفردات المستجدة والوليدة، حتى لو كانت قادمة من الشارع أو حتى من لغات أخرى.. وهو شيء كانت العربية تفعله أيام بهائها عندما كانت في ذروة التألق والثقة بالنفس، ولنتذكر أن مفردات مثل إبريق ومنجنيق وهندسة.. ليست عربية، ومع ذلك فلم يجهد أجدادنا (الذين نحتج بهم دوماً) أنفسهم في نحت مفردات مقابلة، بل أنهم، وبكل بساطة، أدخلوها إلى المعجم واستخدموها فيما نعتبره اليوم  (أمهات الكتب).
نمكن الفصحى بالفعل، عندما نحولها إلى لغة حيوية ومرنة وقابلة للتجدد، أما أن نقسر مستجدات الواقع على التطابق مع مفرداتها القديمة الثابتة، فإننا بذلك نعزز عزلتها ونأيها عن الحياة.. 
وتبقى بدهية لا بد من أخذها بعين الاعتبار: عندما نستورد اختراعاً يابانياً ما، فلا مناص من أن نتقبل اسمه الياباني، وعندما ينجز عربي اختراعاً ما (على سبيل الافتراض طبعاً) فسنستخدم اسمه بالتأكيد (حتى ولو كان عبسي) وعندها فقط يحق لنا أن نرفض استبداله بآخر أجنبي..

 

 

 


المصدر: جريدة الخبر

November 25th, 2009 - 02:54 AM بوكمارك