

سعاد جروس: عدنا
عدنا... أبلغ كلمة يمكن أن تقال تعليقاً على مشهد المشاركة اللبنانية في حفل الاستقبال الذي دعا إليه السفير السوري في لبنان الدبلوماسي الشاعر علي عبد الكريم، بمناسبة الذكرى 64 لعيد الجلاء. الحفل تضمن مفاجآت للشارعين اللبناني والسوري، إذ ورغم المقدمات التي سبقت بعودة الحركة الكثيفة على الطريق من بيروت إلى دمشق، إلا أن حضور رموز “مناوئي” سوريا لم يكن متوقعاً، بل لم يكن متوقعاً أن يقال إن السفارة السورية طبعت نحو 2500 بطاقة فيما تقول وسائل الإعلام اللبنانية أن عدد الحضور وصل إلى 3000 شخص من مختلف أطياف النخبة اللبنانية السياسية والثقافية والفنية... إلخ!!
عدنا... ومثلما كانت مبررات الفرقة كثيرة، كانت مبررات العودة أكثر. وكما يقال “الأمعاء في البطن تتعارك”، وإذا كان السوريون سابقاً يرددون أغنية فيروز “سوا ربينا” ويرد عليهم اللبنانيون بأغنية “لا أنت حبيبي ولا ربينا سوا”، اليوم استبدلت الأغاني ورتل الجانبان “سألوني كتير عنك سألوني قلتلن راجع أوعا تلوموني”، وصدح في أرجاء السفارة السورية في لبنان صوت فيروز “شام يا ذا السيف لم يغب” من دون أن تخدش أذن أي من الحضور اللبنانيين. فقد عادت “الشئيئة” شقيقة كبرى لا يستغنى عنها. هذا على الأقل الانطباع الذي خرجنا به بعدما شاهدنا التغطية التلفزيونية للحفل، الصفحة طويت من دون مراجعات و”حاج تعاتبني يئست من العتاب”.
صفحة جديدة فتحت، وبين الأشقاء لا يوجد حساب، بعدما امتلأت الجيوب فتحت القلوب، وامتدت الأيدي للمصافحة في مشهد مؤثر قد لا نراه في أقوى أفلام تراجيديات الأبيض والأسود العربية، أما الذين كانوا يتصارعون على صفحات الجرائد وحول طاولات المقاهي وفي الكواليس، ما زال الوقت طويلاً أمامهم لامتصاص صدمات التقلبات السياسية السريعة، ولتحديد أمكنتهم المناسبة مستقبلاً، وكما السياسة “رقص” لا يثبت على حركة ولا على هزة أو قصعة، كذلك المصالح تتحرك وتتحول على إيقاع رياح المنافع. والانتهازيون البهلوانيون، لا خوف عليهم، فقد قفزوا في خطوة استباقية من حبل إلى حبل، وأخذوا مواقعهم. أما من سقط على رأسه، فهذا قدره، وكما يقال عمره خالص.
عدنا... وعاد المواطنون السوريون كما كانوا ليتابعوا كواليس الأخبار السورية في وسائل الإعلام اللبنانية، وبالأخص تلك الدائرة في الخندق المعادي، بعدما أدارت الغالبية في الشارع السوري الظهر لوسائل رأت أنها نحت في اتجاه الدعاية السياسية الموجهة ضدها بالذات.
اليوم وبعد انخفاض حرارة التوتر وتغير الأحوال، ارتدت تلك الوسائل إلى سابق عهدها في إبراز حركات وسكنات المشهد السوري وتقليب ما وراء السطور لمعرفة خفايا الموقف السوري المعلن حيال لبنان بعيداً عن العداء وتأويلاته، وبالتالي ارتد المشاهد السوري إليها بحثاً عن ما لا يشاهده في وسائل إعلامه الرزينة والمتقشفة في المعلومات عموماً، وغير الميالة للغرق في التفاصيل السورية ـ اللبنانية، رغم غنى تلك التفاصيل بتشويق وإثارة لا تقاوم إعلامياً ومهنياً. ولا نقول جديداً في أن الجمهور السوري يعرف الكثير عن أعضاء مجلس النواب والحكومة في لبنان، والأحزاب سواء ما يتعلق بزعمائها أو المتحدثين باسمها، في حين بالكاد يعرف أسماء بعض السياسيين في سوريا، فالإعلام السوري الملتزم بالتجهم الرسمي إلى ما شاء الله يخشى من الشيطان الكامن في التفاصيل، ويفضل الاكتفاء بالخطوط العريضة جداً، مفسحاً المجال لمخيلة المتابع كي يختبر قدراته على التحليل والاستنباط.
والآن، للإجابة عن سؤال ترى لماذا كان خبر حفل السفارة السورية في لبنان خبراً أول في وسائل الإعلام اللبنانية، في حين غاب عن نشرة أخبار التلفزيون السوري واقتصر ذكره على تقرير رسمي جداً لوكالة “سانا”، أشار إلى من حضر كممثلين عن المؤسسات... وتناقلت التقرير بعض الصحف والمواقع الالكترونية كما هو معقماً من أي معلومات مشوقة كتلك التي وردت في الإعلام اللبناني الذي قرأ لغة الأجساد ودلالات تناول “البرازق” الشامي؟! ولماذا كان حدث زيارة الوفد اللبناني التقني إلى سوريا لمراجعة الاتفاقيات بين البلدين خبراً ثالثاً مختزلاً مقتضباً في النشرات السورية، فيما كان الأول في الإعلام اللبناني، سبقه وتبعه سيل من التسريبات والتقولات؟ ولماذا أيضاً كانت زيارة النائب وليد جنبلاط الثانية إلى دمشق بعيدة تماماً عن الإعلام في سوريا؟
قبل التكهن بالإجابة لا بد من الإشارة إلى أن طرح هذه الأسئلة لا ينطوي على اتهام بالتقصير للإعلام السوري ولا على اتهام بإثارة اللغط للإعلام اللبناني، وإنما هو محاولة لتفسير حالة إعلامية سياسية سورية ـ لبنانية، كانت معتمدة سابقاً قبل فترة التوتر، نرى أنها عادت وبقوة، حين يفسر بعض العليمين بالأمور التحفظ الإعلامي السوري بالقول: ليست كل التفاصيل صالحة للتداول الإعلامي، ومن الخطأ الخوض فيها كثيراً، عملاً برأس الحكمة كما في القول الشريف: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، هذا عدا عن أن السوريين يرون عودة القطار اللبناني إلى السكة السورية تصحيحا لوضع خاطئ، وما جرى خلال السنوات الخمس السابقة كان أمراً غير طبيعي. وبناء عليه فإن زيارة جنبلاط الثانية وزيارات أخرى قد تتبعها إلى دمشق طبيعية وعادية، وكذلك مراجعة الاتفاقيات لتطويرها أمر عادي بين أي بلدين، وأيضا تلبية كل الأطياف اللبنانية دعوة السفارة السورية أضعف الايمان، لذا لا يجد الجانب السوري ضرورة في تسليط الضوء عليها وتضخيمها وكأنها غير طبيعية.
أما التعاطي الإعلامي اللبناني المولع بنكش العفاريت القابعة بين السطور، فلا يمكن القول إنه خاطئ بل هو أيضا طبيعي مهنياً وطبيعي سياسياً بمعايير التوازنات اللبنانية، مع أنه وعلى نحو آخر يُظهر أن للخبر السوري أولوية للبنان، لكنه ليس بالضرورة كذلك لسوريا. ولأن الأمور على هذا النحو من الطبيعية والاعتيادية، فمن الطبيعي أن يعود السوريون لانتظار مواعيد نشرات الأخبار اللبنانية العادية بلهفة غير عادية.
عدنا... والعود أحمد.
المصدر: الكفاح العربي
April 23rd, 2010 - 06:26 PM

نقولا ناصيف: كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً


















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.
