ما طرحته مديرة مؤسسة ثقافية خاصة على ضيوفها في جلسة دردشة  كان مذهلاً، ليس من حيث غرابة ما طرحته، بل من حيث إنه من المسَلّمات، وهو عدم تجاوب الصحفيين المحليين مع دعوات المؤسسة لتغطية نشاطاتها ما لم تدفع لهم مكافآت مالية!! استنكر أحد الحضور هذا الطرح، وشعر بأنه يمس بكرامته هو أولاً كصحفي، واستنكر وجود تقليد كهذا لدى الصحفيين العاملين في الحقل الثقافي، من دون أن يستبعد ذلك عن زملائهم العاملين في المجالات الأخرى المحلية أو الاقتصادية. واستدرك قائلاً، حتى هؤلاء لا يتقاضى جميعهم مكافآت من الجهات التي يغطون أخبارها، وإنما هم قلة باتت معروفة وتدل عليهم آثار النعمة المفاجئة... وتابع الصحفي دفاعه المستميت عن الصحفيين العاملين في الشأن الثقافي الذين يسيرون ويسبقهم الفقر حيث حلّوا... إلخ.
خلال النقاش المدعوم بالحجة والبرهان، سرعان ما تبين لذلك الصحفي الغافل العنيد أنه خارج التغطية منذ وقت ليس بعيد، تكرست خلاله تقاليد جديدة في واقع ثقافي استجد مع دخول رجال أعمال إلى الاستثمار في ميدان الثقافة السعيدة، وأن بعضًا منهم وضع ضمن خطته الدعائية الإعلانية شراء أقلام الصحفيين والنقاد، فصار للثقافة تجار كبار، كما للسيارات وللعقارات وغيرها، يرشون من أموالهم على عملية الترويج، وكما توجد شركات إنتاج فني عربية مختصة بتفقيس نجوم المغنّين والمغنيات، ظهرت شركات ومؤسسات تعنى بتفقيس نجوم من التشكيليين أو حتى الكتّاب، بغض النظر عن القيمة الإبداعية. وربما تعين حالياً على الأوساط الثقافية نعي زمن طالما شكوا فيه مما يكال من مديح لوجه العلاقات الشخصية والصداقات وفق مبدأ (حكّ لي لأحكّ لك)؛ بما معناه: تكتب عني وأكتب عنك، أمر كان يوصم بعدم النزاهة والرياء. فإذا كان هذا حال النقد الصحفي الثقافي قبل تدفق المال من ثقوب الثقافة المتهرئة، فما هو حاله الآن بعدما بات السؤال مشروعاً عن ثمن الخبر أو مقالة النقد؟ وهذا من باب تفصيل العزائم على قدر حجم الغنائم. ترى هل هناك تضليل وتخريب وفساد ثقافي وإعلامي أكثر من هذا؟
لا أحد يكره المال، ومن حق الصحفي كأي إنسان أن يعيش حياة كريمة. لكن ثمة أعرافاً وتقاليد مهنية لا يجوز القفز عليها، أو تدميرها، بحجة الفقر أو حق كسب الرزق أو الاسترزاق. فأن يتقاضى صحفي في أي مجال كان مالاً، أو هبات من خارج مؤسسته، أو من الجهات التي يكتب عنها، يُعد فساداً، وليس له اسم آخر. ومن نافل القول إن الذي يؤجر قلمه إنما يهدر كرامته ويقضي على صدقيته، وكل تبرير للعكس هو تبرير للفساد وللتخريب المتعمد. مع الأخذ بالاعتبار أن رقعة الفساد سواء ضاقت أو اتسعت، أفقياً أو عمودياً، لا تنفي عنه صفته، حتى لو صار قاعدة ونقيضه الاستثناء. واليوم بات لا بد من التساؤل من يتحمل مسؤولية الدفاع عن كرامة الصحافة ومن يحمي الثقافة والمعايير الثقافية؟ وهل من المنطقي ترك الساحة نهبًا لمعايير رأس المال المتوحش؟
لا شك في أن الصحفيين الذين يقبلون بيع أقلامهم يتحملون جزءاً كبيرًا من المسؤولية، لكن حين نعلم أن جيلاً جديداً من الصحفيين ينبت وهو يعتبر أن تقاضي أجراً على كتابته من جهة غير المؤسسة التي يعمل لمصلحتها أمر عادي، بل هو حق مشروع لا يُحمله أي مسؤولية، فهو جيل ولد في بيئة إعلامية سائبة علّمت الصحفيين الحرام، وارتضت الجهات المفترض أنها وصائية ومعنية بالحفاظ على هيبة الصحافة، التغافل عن هذا الواقع لأنها منتفعة، ولن نقول لأنها فاسدة أو جزء من منظومة الفساد العام.
في بداية الأربعينيات عندما تأسست نقابة للصحافة تدافع عن حقوقها وتعمل على تعزيز كيانها، كانت المرة الثالثة التي تتأسس فيها هيئة للدفاع عن الصحافة، وليس فقط الصحفيين في ظل الانتداب الفرنسي على سوريا. حينها أخذت النقابة على عاتقها بالإضافة الى العمل على اطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، تنظيف الصحافة من العناصر التي تشوه اسمها وتسيء إليها بما تقوم به من أعمال ابتزاز باسم الصحافة. وقد فتح مجلس الصحافة تحقيقاً ـ وكان في ذلك الحين نصوح بابيل نقيباً للصحفيين ـ مع من تلقت بحقهم شكاوى عن تقاضيهم أموال من التجار، حتى أن النقابة استعانت بالشرطة لإحضارهم، وتم استرجاع الأموال الى أصحابها واتخذت اجراءات رادعة بحقهم. وكان لذلك اثر طيب لدى مختلف الأوساط وحدَّ كثيرًا من أعمال الابتزاز “الشانتاج” ورفع من قدر الصحافة، فتوافد الوزراء وكبار الموظفين في الدولة وفي مقدمتهم رئيس الوزراء على مقر النقابة لشكرها على هذه الخطوة التي أعانتها على التخلص من العناصر الصحفية الفاسدة.
 وكان يا ما كان في قديم الزمان. كان في ذلك الوقت شكوى من التجار من ابتزاز الصحافة!! أما اليوم فإن التجار هم الذين يبادرون ويجودون من طرف الجيب لشراء الصحفيين والصحافة بالمال والأعطيات والهبات ورحلات خمس نجوم إلى دول العالم المتحضر، فلا هم يشكون ولا من يشتكي منهم، معتمدين رأس الحكمة “أطعم الفم تستحي العين وأحسن صحفي ثمنه فرنكين”.
على هذا المنوال، يسير التجار ومن خلفهم كبار الموظفين الحكوميين لتبييض صحائف أعمالهم بمنجزات لا يشق لها غبار، ولا غضاضة في اقتطاع “بوكت ماني” من رأس الكوم لسد “باجوق” صحفيين يتهافتون على أعتابهم. وحيال هذا ما معنى استنكار تقاضي صحفيين مكافأة بسيطة لتغطية نشاط ثقافي، وأي معنى للكرامة وللرأي المستقل؟!
 
 

المصدر: الكفاح العربي

November 21st, 2009 - 02:00 AM بوكمارك