هذه الواقعة لا تعني شيئاً كثيراً . ذلك أنه من الممكن أن تبرز تباينات داخل الأسرة الواحدة .درجت العادة خلال السنوات الأخيرة في لبنان على تحويل كل تباين لبناني  سوري إلى مناسبة لإعادة طرح العلاقات برمتها بين البلدين . وقبل تحقيق التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا، كان من المألوف أن يتمحور النقاش حول هذا الموضوع باعتبار أن غياب هذه العلاقة يشكل ظاهرة استثنائية في العلاقات بين الدول . ولكن بعد تبادل السفراء بين البلدين، انتقل السجال حول العلاقات بين دمشق وبيروت إلى مسألة المجلس السوري  اللبناني الأعلى وإلى الاتفاقيات المعقودة في إطاره بين البلدين . وتبرز على هذا الصعيد المواقف الثلاث التالية:

 

* أولاً، موقف المطالبين بإنهاء تجربة المجلس اللبناني  السوري الأعلى . ويعتبر هذا الفريق من السياسيين اللبنانيين أن المجلس الأعلى كان وليد ظروف لم تعد قائمة . فالمجلس كان يعكس، سواء على صعيد الفكرة أم التنفيذ والتفاصيل، الموقع السوري الحاسم والمهيمن في السياسة اللبنانية، وإن هذا الوضع تغير بعد الانسحاب السوري من لبنان . سوريا لا تزال دولة ذات نفوذ في لبنان، ولكنها لا تبسط سيطرة كاملة على السياسة اللبنانية كما كانت تفعل في السابق . استطراداً، يقول هذا الفريق، إنه ليس هناك من مبرر لاستمرار المجلس .

 

في كافة الحالات، يعتقد هذا الفريق أن وجود المجلس يصطدم بسيادة لبنان واستقلاله وحريته . كذلك يعتقد أنه لو كان للبنانيين الحرية في تنظيم العلاقة بين بلدهم وبين سوريا، لما قام المجلس ولما توصلت حكومتا البلدين إلى عقد الاتفاقيات والمعاهدات في ظله .

 

علاوة على ذلك يقول هذا الفريق إنه ربما كانت هناك بعض المبررات لوجود المجلس في ظل غياب التبادل الدبلوماسي بين البلدين، أما الآن وقد تحقق هذا التبادل، فإن استمرار المجلس يؤدي إلى التضارب في الصلاحيات بين السفارات، من جهة، وبين المجلس، من جهة أخرى، ويؤدي إلى تعقيد العلاقات بدلاً من تطويرها وترشيقها وترشيدها .

 

* ثانياً، موقف المطالبين بالحفاظ على المجلس . ويرى هؤلاء أنه، خلافاً للاعتقاد الشائع في أوساط لبنانية تطالب بإنهاء المجلس، فإن العديد من الاتفاقيات التي عقدت في إطاره كانت لمصلحة لبنان وليس العكس . فضلاً عن ذلك، فإنه يخطئ من يعمل على تقويض المعاهدات والاتفاقيات التي تم التوصل إليها في المرحلة التي سبقت الانسحاب السوري من لبنان . فالتمسك بالمعاهدات التي تعقدها الدول عادة، حتى ولو تغيرت ظروف هذه الدول وأوضاعها، هو مرتكز رئيسي لصدقيتها على المستوى الدولي . لذلك، يقول هذا الفريق، نجد أن كل حركة انقلابية تهدف إلى تبديل الأوضاع في بلادها، تلجأ، بعد وصولها إلى السلطة مباشرة، إلى التأكيد على أنها سوف تلتزم بالمعاهدات التي عقدتها الحكومات السابقة .

 

* ثالثاً، موقف الذين يدعون إلى إبقاء المجلس وإلى الحفاظ على الاتفاقيات ولكن مع البدء في مراجعة اوضاع المجلس والاتفاقيات التي عقدت في ظله . ويحبذ هذا الفريق ادخال التعديلات الضرورية لتطوير تجربة المجلس وتصحيح أي خلل يتعارض مع سيادة واستقلال البلدين ومع المصلحة المشتركة التي تربطهما .

 

تأكيداً لصواب هذا الموقف يقول أصحابه إن وجود علاقات ثنائية قوية بين دولتين لا ينال من استقلالهما . فهناك علاقات ثنائية قوية بين الولايات المتحدة وكندا، ومع ذلك فإن هذه العلاقات لا تنال من استقلال كندا التي تفتقر إلى مقومات القوة والزعامة التي تمتلكها الولايات المتحدة . يضيف هذا الفريق إلى ذلك أن لبنان نفسه وأن الحكومة السابقة التي خرجت إلى النور بعد الانسحاب السوري من لبنان، تعتز وتفتخر بما أنجزته في إطار الشراكة الأوروبية  اللبنانية أو اللجان الثنائية العليا مع بعض الدول العربية وخاصة مصر والأردن، وأن الاتفاقيات المعقودة في إطار هذه اللجان لم تقل أحكاماً عن اتفاقيات عقدت في إطار المجلس الاعلى اللبناني  السوري . استطراداً يجد الذين يميلون إلى الحفاظ على المجلس وإلى تطويره مبرراً للتساؤل عن سر مطالبة بعض الزعماء اللبنانيين بإلغاء المجلس لتناقضه، أساساً، مع السيادة اللبنانية، بينما لا يكررون مثل هذه المطالبات عندما تعقد الاتفاقيات الثنائية مع دول أجنبية وشقيقة غير سوريا .

 

بين هذه المواقف الثلاثة، يبدو الموقف الأخير هو الأقرب إلى مصلحة لبنان وسوريا، وإلى المصلحة المشتركة بينهما، وإلى مقتضيات سيادة البلدين واستقلالهما . فالتعاون بين البلدين، إذا قام على أسس سليمة، فسوف يعزز أوضاعهما الاقتصادية ويمتن أمنهما الوطني نظر للترابط المتين بين الاقتصاد والأمن . وتؤكد تقارير ودراسات كثيرة، مثل دراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)، ودراسة أخرى أعدت في جامعة نانت الفرنسية حول التبادل التجاري في المنطقة العربية على أهمية الفوائد التي حققها كل من سوريا ولبنان على صعيد التجارة الخارجية بسبب الاتفاقيات الإقليمية التعددية والثنائية التي عقداها ومنها بالطبع الاتفاقيات المعقودة بين البلدين . فضلاً عن ذلك، فإنه كان للعلاقات بين البلدين أهمية كبرى في تحرير جنوب لبنان عام 2000 من الاحتلال “الإسرائيلي”، واجبار “الإسرائيليين” على الانسحاب من الأراضي اللبنانية دون أن يحصلوا على أي مكسب سياسي أو عسكري أو اقتصادي جراء انسحابهم هذا كما فعلوا في أماكن أخرى من المنطقة العربية .

 

في تاريخ العلاقات بين سوريا ولبنان محطات كثيرة اتسمت بدرجات عالية من التعقيد والمشكلات . ولكن هذه المحطات على أهميتها، لا تختزل العلاقة بين البلدين، ولا تشكل هي دون غيرها أساساً لترسيم هذه العلاقة . من يراجع تاريخ العلاقات السورية  اللبنانية يجد فيها صفحات مشرقة ومضيئة، ومن ينظر في واقع البلدين يستطع أن يلمس فيه احتمالات لفوائد كبرى يجنيها الشعبان إذا تطورت العلاقة بين سوريا ولبنان .
 
 


المصدر: الخليج

March 19th, 2010 - 07:01 PM بوكمارك