٧ ـ هل يمكن ان تتطور الحرب انطلاقا من جبهات اخرى مثل لبنان أو من غزة؟
لقد ثبت ان الحرب على غزة في إطار الحدود المصرية الإسرائيلية لا تتطور الى حرب شاملة. لأنه لا يوجد بتاتا أي واقع لأمن قومي عربي مشترك يعتبر العدوان على غزة تهديدا له. لا يوجد خارج نطاق الايديولوجية العروبية أمن قومي عربي. إنه ليس كائنا، بل هو ما يجب أن يكون. وربما هو ما كان في يوم من الايام. ولتجنب نقاش جانبي لن نسجل اعتراضا على أنه كان قائما في مرحلة ما، لكنه حاليا غير قائم. ومحاولة بعض القوميين العرب ممن خلّفتهم مرحلة الانظمة القومية العربية أن يفسروا للنظام الحاكم في مصر أن مصلحته تكمن في اعتبار اسرائيل عدوا، (متجاهلين أنه في حالة اتفاق سلام، إن لم يكن أكثر، مع إسرائيل، وأنه يعرف أعداءه أفضل منهم) وحديثهم عن الأمن القومي المشترك كأمر قائم، هي محاولات مثيرة للشفقة. فهي تعبر عن عجز فكري، كما تعبّر عن عدم قدرة على التحول إلى معارضة، لأنهم بدلا من معارضة سياسة النظام القائم يقدّمون له النصح والإرشاد كي يدرك مصلحته «الحقيقية» التي لا يعرفها.
٨ ـ حاليا تعوِّلُ إسرائيل على الجدار الفولاذي لإحكام الحصار فعلا ومنع الأنفاق ولإحداث تآكل في النظام القائم في غزة أو دفعه لقبول شروط مصر لغرض تأمين متطلبات الحياة، أو تحويله الحصار الى سبب لتفجير تبادر اليه غزة، كي لا يتحول الحصار الكامل بالجدار الجديد الى روتين لا يمكنها تحمله. فحصار شعب بالكامل وتجويعه، كما تهدف «المنشآت الهندسية»، هما خطوة أشبه بالحرب.
٩ ـ وإذا لم تُجد هذه الخطة فقد تلجا إسرائيل الى العدوان على غزة من جديد.
١٠ ـ وتسعى إسرائيل لتجديد العملية السياسة المسماة زورا وبهتانا عملية سلام، لأنها مهمة جدا لاقتصادها الوطني. فقد أثبت محافظ بنك إسرائيل الجديد ان 3% من مجمل الدخل القومي الإسرائيلي منوط بمجرد استمرارها. فهي ترفع نسبة الاستثمارات الداخلية والخارجية في إسرائيل. لكن «عملية السلام» هي أيضا أفضل بيئة لحشد المواقف الدولية ضد إيران والمقاومة وضد «محور التطرف» عموما.
١١ ـ في هذه الاثناء تواصل إسرائيل التضييق على المقاومة الفلسطينية بالاغتيالات في الضفة وغزة. ومنذ نهاية الحرب على غزة قتلت اسرائيل اكثر من 170 فلسطينيا منهم عدد من المناضلين في القطاع، فضلا عن الاغتيالات المستمرة في الضفة. أما اغتيال الشهيد محمود المبحوح في دبي فيحمل برأينا ثلاث رسائل مفكر بها إسرائيليا بشكل واع، اي انها لا تعكس تحليل الكاتب هنا بقدر ما تعكس ما يفكر به الاسرائيليون فعلا: أـ ان إسرائيل مؤسسة لا تنسى المطلوبين لها ولو بعد عقود. ب ـ ان المعركة ضد تهريب السلاح الى غزة هي حرب. «وفي الحرب كما في الحرب». ج ـ ان إسرائيل غير ملتزمة باحترام سيادة دبي، في إطار الضغط على هذه الامارة التي تشكل مخرجا تجاريا وماليا أساسيا لإيران يجعل أي حصار أمرا مستحيلا. في الماضي خرقت اسرائيل حتى سيادة دولة تعتبر العلاقة معها استراتيجية مثل الاردن. وأجبرها الملك الراحل حسين على دفع ثمن لذلك. لكنها لا تلتزم باحترام سيادة دول أخرى. وباعتقادي أنها قصدت في رسالة الى دبي أن يجري الاغتيال بهذه الطريقة التظاهرية في دبي. لم يكن ذلك نتيجة فشل تنظيمي أو «لوجستي». الأمر المذهل هو الصمت العربي الرسمي إزاء تجاوز فظ وعدائي لسيادة دولة عربية، وذلك في مقابل الجدية التي تبديها شرطة دبي. أما الكلام الأوروبي فهو كلام سياسي في ظل الحرج من وجود الصور، وتعرف شرطة دبي الى الجوازات، أما الأجهزة الأمنية الاوروبية فمتفاهمة مع إسرائيل في «الحرب على الإرهاب».
١٢ ـ في ظل حالة اللاحرب الحالية سوف تستمر سياسة الاغتيالات بتواز مع الحصار لاستنزاف المقاومة الفلسطينية. لكن لا دليل على نجاح نموذج رام الله والاخبار الصادرة من هناك بائسة بتعبير متواضع. والحالة في الضفة الغربية لا يمكن ان تستمر على ما هي عليه من استمرار الاحتلال وحل القضايا بسياسات اقتصادية كما خطط نتنياهو.
لبنان وسوريا:
١٣ ـ جرت العادة منذ فترة على اعتبار استعادة هيبة الردع عند الجيش الإسرائيلي سببا ممكنا لحرب مقبلة ضد لبنان. وهذا وارد طبعا. لكنه ليس تبريرا كافيا لشن الحرب لا أمام العالم، ولا أمام المجتمع الإسرائيلي. يجب ايجاد سبب لشن الحرب، كي تبرر استخدامها لاستعادة الردع. لكن السؤال الأهم هو: إذا كان «حزب الله» كما ثبت في حرب تموز خصما استراتيجيا وليس تكتيكيا (وإن لم يكن خطرا وجوديا كما ترى إسرائيل بحق أو بغير حق السلاح النووي الإيراني) فهل تصبر إسرائيل على أن يراكم هذا الخصم قوة أعتى؟ هنا تأتي الإجابة جزئيا من سلوك «حزب الله» بعد الحرب، ومن تحليل أطراف إسرائيلية في الامن والسياسية في إسرائيل: إذا كان «حزب الله» قد انتقل في برنامجه السياسي الأخير، وفي سلوكه وخطابه السياسي منذ حرب تموز، من برنامج تحرير فلسطين إلى ايديولوجية تحرير فلسطين، والتي لا تعني إلا عدم الاعتراف بإسرائيل ورفض السلام معها... وإذا انتقل من الهجمات على الحدود وعبرها الى استراتيجية الدفاع عن لبنان فقط إذا هوجم، فلماذا تهاجمه إسرائيل؟ منذ حرب تموز انصاع الحزب عمليا للقرار 1701 في جزئه المتعلق بوقف النار. بهذا المعنى فإن حرب تموز نجحت في وقف عمليات المقاومة، وإن بثمن كبير جدا أذل إسرائيل، مع أنها فشلت في القضاء على المقاومة ككيان سياسي مسلح. في المقابل يقول «حزب الله» ان العمليات في الأعوام الأخيرة قبل العدوان كانت متوقفة أصلا، ما عدا الاختطاف لغرض تبادل الأسرى. ونحن لا نقبل هذا الادعاء فقد وقعت عدة اشتباكات حدودية، هذا عدا التلويح بالمقاومة في مناطق شبعا. لكن هذا نقاش آخر. يعلن «حزب الله» عبر السجال مع الأفرقاء اللبنانيين أنه سوف يتجنب منح اسرائيل حججا كي تبدأ هي بالحرب (مع أنها ليست بحاجة الى حجج كما يقول). فما الداعي الإسرائيلي لشن الحرب عليه إذاً؟ الجبهة اللبنانية في طريقها الى أن تصبح اكثر شبها بالسورية. ولا يتناقض ذلك مع الاستفادة السورية من تجربة المقاومة اللبنانية الفذة في القتال، فالاقتراب نحو نقطة التشابه هو من الجهتين السورية واللبنانية. والوضع السائد هناك هو توازن ردع وليس حرباً. لقد ضاق هامش المقاومة في لبنان كما على الحدود السورية الإسرائيلية. والحالة هي إما حرب او لاحرب، ولا مقاومة في الوسط. وبرأينا لم يحسم هذا النقاش في إسرائيل بعد، بين قبول ميزان الردع الجديد وعدم شن الحرب وبين عدم السماح بتطوره وتفاقمه، وذلك بشن الحرب على لبنان.
من زاوية النظر الإسرائيلية سوف تنتصر إسرائيل في مثل هذه الحرب مع سوريا، أو لبنان. لكن من هذه الزاوية ذاتها تبدو قدرة الطرف الآخر على رفع ثمن هذا الانتصار في تزايد مستمر. وهنا يسأل التوجه الأول: ليس السؤال هل يمكن لإسرائيل تحمل هذا الثمن، بل السؤال هو لماذا تتحمله، ولماذا الحرب أصلا؟ سبق أن أعلنت سوريا عن خيار السلام كخيار استراتيجي. (ولكنها مؤخرا تؤكد ان لا شركاء له في الجهة الأخرى). وفي لبنان تشكَّلَ عمليا إجماع وطني يشمل «حزب الله»، وهو إجماع على تجنب الحرب مع إسرائيل، وعلى قبول تحوُّلِ قوى المقاومة من مقاومة فاعلة بعمليات، ولو متفرقة، إلى قوة دفاع عن لبنان. يتطلب الأمر من وجهة النظر الإسرائيلية هذه أن تغيّر بالمقابل إسرائيل سياستها تجاه لبنان، وعليها إعادة النظر في استباحة سيادته بالغارات والاجتياحات، وغيرها. و«حزب الله» لا يعترف بإسرائيل، ويعتبرها عدوا. والفرق بينه وبين سوريا أنه لن يبدأ معها لا تسوية ولا عملية سلام... ولكنه لا يقوم بأعمال هدفها تحرير فلسطين، ولا عمليات مقاومة حتى في مناطق شبعا منذ حرب تموز.
١٤ ـ لا شك أن التصعيد الكلامي الأخير مهم. ولكنه مهم في سياق الانتقال الى المرحلة الجديدة. «حزب الله» لا يقوم بعمليات مقاومة، لكنه يغطي بالتهديد والتصعيد الكلامي (الجدي فكونه خطابياً لا يعني انه غير جدي) عملية الانتقال من مقاومة وجود إسرائيل، أو حتى من المقاومة الفاعلة لاسترداد اراض لبنانية، الى الاكتفاء باستراتيجية الدفاع عن لبنان. وهو ثمن قبول سلاح المقاومة لبنانيا. من هنا ينطلق التهديد بالرد على أي عمليات إسرائيلية بلهجة حادة ومبرّرة. فهي تردع العدوان. وهي ترضي أجزاءً أوسع من الرأي العام اللبناني بتحويل نبرتها الحادة جدا نحو الدفاع ولتجنب الحرب. وهو الرأي العام الذي أصبح يشغل الحزب أكثر من أي وقت مضى. لا ننسى أن الحزب يهدد بالرد على أي عدوان إسرائيلي، ولا يتحدث عن إدارة حرب مستمرة مع إسرائيل تتخللها عمليات مقاومة وهدنة وغيرها. لقد تقدم الحزب خطوتين نحو قوى سياسية لبنانية، أكثر مما انسحب أمام إسرائيل. وما اتاح ذلك هو أنه في الظرف الدولي الجديد من سقوط المحافظين الجدد والحوار الأميركي مع سوريا تقدمت نحوه بخطوات قوى سياسية لبنانية. وكانت هذه القوى نفسها قد خاصمته حتى أثناء الحرب، وكانت دعت قبل الحرب الى تجريده من سلاحه.
١٥ ـ لقد كان باراك يدعو للعودة الى عملية التسوية مع سوريا حين صرَّح أن جمودها قد يؤدي الى حرب. كان يهدد اليمين الإسرائيلي بنتائج الجمود، أي بالتدهور الى حرب. وكان ليبرمان يرد عليه، وليس على سوريا، لكن لتسمع سوريا. لقد أكد على غياب آفاق التسوية والمفاوضات، إلا بالشروط الاسرائيلية. ويتابع قائلا: على من لا يعجبه الأمر الا يهدد إسرائيل بالحرب، ففي مثل هذه الحرب «تخسر عائلة الأسد الحكم». هو يدعي إذاً أن حالة اللاتسوية واللاحرب ممكنة. لا يوجد حل للصراع يقول اليمين الإسرائيلي المتطرف، ومع ذلك يحذر: ليتجرأ من يتجرأ على شن الحرب. هذا مختصر موقف ليبرمان. وهذا موقف فج يزعج كافة الدول العربية، المؤيدة والمعارضة للتسوية، ويزعج أوروبا بشكل خاص. ولذلك من السهل كره ليبرمان. فهو لا يحترم حتى العرب المؤيدين التسوية. هذا النقاش الدائر في إسرائيل حول ضرورة العودة للتفاوض وبدائلها بين وزير أمن ضعيف بلا حزب ووزير خارجية تتهدده ملفات فساد قد تدخله السجن، ظهر كأنه تهديد بالحرب.
وكان الرد السوري عليه مفاجئا لمن لم يفهم التغيّر في الخطاب السوري بعد. لقد كان الحزم السوري في الرد على ليبرمان مفيدا، عربيا ودوليا، وحتى على المستوى الداخلي الإسرائيلي. ومن التجربة كان الحزم وحده مجديا لسوريا منذ محاولات كولن باول فرض شروط عليها بعد الحرب على العراق 2003، مرورا بالانسحاب من لبنان تحت وطأة اغتيال الحريري، وحتى اليوم. أما التراجع والاستجداء فأديا ويؤديان إلى التعرض لضغوط أكبر. ولا شك في أن التصعيد في التهديد من عواقب أي هجوم إسرائيلي، يتغلب على التخويف المستمر بقوة إسرائيل، ويتجاوز قدرتها على الابتزاز. ويشكِّلُ أساسا لرفض الضغوط الاسرائيلية على العرب للتسليم بأي تسوية سياسية غير عادلة. لكنه لا يشبه إطلاقا الخطاب العربي السابق ضد إسرائيل، الذي كان مدفوعا برفض وجودها، بما فيه الإعداد (الفاشل للأسف) لمحاربتها. لقد تغير الوضع الى درجة أن منع الحرب يحتاج إلى لهجة صارمة وسلوك حازم... وإعداد افضل. فالتصعيد الكلامي بمجمله، من قبل «حزب الله» وسوريا يأتي تحت عنوان تجنب الحرب وليس شن الحرب. لكنه لا يتجنب الحرب بالاسترضاء، أو بقبول التسوية بل بالتهديد من عواقب أي عدوان اسرائيلي مقبل. إن أفضل طريقة لمنع الحرب هي الاستعداد للحرب.
هذه سياسة تعزز الصمود ضد فرض شروط سياسية في التسوية، لكنها ليست سياسة مواجهة مع إسرائيل. إنها تمنع تسوية غير عادلة لكنها لا تفرض حلا عادلا.
يظهر ذلك في مثال التهديد بإزالة إسرائيل عن الوجود إذا شنت حربا والذي ينطلق بين الفينة والأخرى. إذا كان من يهدد مقتنعا بإزالة إسرائيل من الوجود، بل يشكل «زوال الكيان» محور ايديولوجيته السياسية، وإذا كان قادرا على إزالتها، فلماذا لا يزيلها؟ لماذا ينتظر أن تشن حربا عليه؟ على المستمع إذاً أن يشكك إما بقدرته او بإرادته. وطبعا لا تشكيك بالرغبة الايديولوجية عند «حزب الله» بزوال إسرائيل، أما الإرادة السياسية فلا بد من أن تتأثر بالقدرة الفعلية، وبالظرف وبالنتائج. ليس باستطاعة «حزب الله» إزالة إسرائيل حاليا، ولفترة طويلة قادمة على الأقل. وتوجه الحزب نحو السياسة الداخلية اللبنانية لا يحافظ على السلاح فحسب، بل يضع القيود عليه، ويغيِّره. وهو يغير أيضا توقعات جمهوره منه. على كل حال من زاوية نظر أخرى سبق أن كتبنا أن تحرير فلسطين ليس مهمة المقاومة، لا «حزب الله» ولا حماس. فتحرير فلسطين هو مهمة الأمة كلها.
يهدد «حزب الله» لأن لديه القدرة الفعلية على إيذاء اسرائيل بشكل جدي. وهو يقول ذلك ليس في سياق تهديدها بالحرب عليه، بل في سياق تهديدها بشن حرب على لبنان كله. هذه سياسة دفاعية من قبل الحزب، لا شك في ذلك. فإسرائيل إن شنت الحرب هذه المرة فلن تخرج إليها للتسلية، ولا لاستعادة الهيبة، بل لتجاوز فشل حرب تموز في القضاء على الحزب. اي ان الهدف سيكون شاملا، وهو القضاء على الحزب قضاء مبرما، وهذا يتطلب حربا على لبنان كله. وبالتالي اي رد من قبل الحزب سيكون شاملا. هذه حرب. وهل يمكن لسوريا أيضا قبول فكرة القضاء على المقاومة اللبنانية، خلافا لمجرد الإغارة عليها او عقابها؟ لا يمكنها ذلك حتى من ناحية مصلحة النظام الحاكم وقدرته على الصمود وحده بعدها أمام الشروط الاميركية الاسرائيلية. من هنا فالحرب القادمة على لبنان هي حرب على لبنان وسوريا. ولا يجوز ان يُستفرَد فيها بأحد. إنها حرب شاملة. وهذا ميزان ردع وتوازن رعب جديد، سوف يتضح خلال فترة قصيرة بالتجربة ما الممنوع وما المسموح في ظله: من إمكان الانتقام للشهيد عماد مغنية (في ظل توازن الرعب الجديد) واحتمال فرض الأعمال الانتقامية، هل هو إمكانية يتيحها التوازن الجديد؟ وحتى آخر تفصيل. وطبعا سوف تستمر محاولات اغتيال أيضا ضد قادة المقاومة ومناضليها. سوف تستمر إسرائيل بفعل كل ما يتاح في هذا التوازن الجديد. 
   
 


المصدر: السفير

March 4th, 2010 - 03:19 PM بوكمارك