

د. سمير صارم: صراع على الشاشة... وليس من أجلها!..
زميلة سابقة لنا غادرتنا قبل سنوات للعمل في تلفزيون عربي التقيتها قبل أكثر من عامين وسألتها عن عملها فأبدت ارتياحاً كبيراً، وأكدت أن أهم ما لاحظته في عملها هو أن أبواب مدير عام المحطة مفتوح للمحرر والمذيع متى شاء!..
وأضافت: يوجد مكتب جانبي للمكتب الرئيسي فإن كان مدير عام المحطة مشغولاً مع ضيف مثلاً يستقبلك فوراً في المكتب الجانبي ويحاورك في الموضوع الذي جئت بشأنه ويعطيك القرار!!. فأنت الأهم!..
هذه الملاحظة للزميلة لازالت في ذهني لا تغيب، ولست أدري لماذا أجد أن لها علاقة ما بعدم تحقيق تلفزيوننا للتطور المطلوب والمنشود رغم كل الخطابات التي ألقيت، والتوجهات التي تمت الكتابة عنها، والرؤى التي تم التصريح بها!!.
بالطبع ليس هذا هو السبب الوحيد!. لكنه سبب مهم برأيي!!.
إن الإعلام ينفرد عن باقي المؤسسات الأخرى بأنه يصنف العاملين فيه بالأسرة الواحدة، وأمام أفراد الأسرة الواحدة لا توجد أبواب مغلقة، ولا أسوار مرتفعة، ولا مواقف عدائية أو ملغومة، ولا نميمة أو دسائس !!.
في الأسرة حوارات مستمرة لا تنطلق من مواقف مسبقة، واختلافات يمكن أن تقوم قبل الاتفاق على رأي أو موقف، وهناك شفافية في التعامل بين الجميع، والأهم من ذلك أبواب مفتوحة، وبيئة عمل مناسبة تساعد على النجاح، والحوار الصريح والنقد غير الجارح سيّدا هذه البيئة!..
فإلى أي مدى يمكن لأبواب السادة القائمين على إدارة التلفزيون السوري أن تنفتح أمام المحررين والمعدين، وبعض المكلفين بمهام عندما يحتاجون ذلك؟!.
وإلى أي مدى يمكن للحوارات أن تكون صريحة والنقد ألا يكون جارحاً ولا ينطلق من مواقف أو مصالح؟.
طبعاً لا نستطيع أن ننكر أن الأبواب يمكن أن تنفتح، والحوارات المقبولة يمكن أن تدار، والنقد بهدف التوجيه والوصول إلى الأفضل يمكن أن يمارس، لكن كل ما سبق يتم للبعض دون الآخر، ولزيد دون عمرو!!.
إن علاقات العمل القائمة على الاحترام المتبادل، والعمل المؤسساتي الذي يحترم التراتبية دون أن يقدسها، وعدم إقفال الأبواب، عوامل ضرورية لنجاح العمل الإعلامي بشكل عام، والتلفزيون بشكل خاص!!.
لقد انقضت سنوات ونحن نتحدث عن تطوير الإعلام، والتلفزيون تحديداً، وأجد أن إعلامنا المكتوب تطور أكثر من الإعلام المرئي، لاسيما في مجال المحليات (تحقيقات / اقتصاد / فن الخ...) كذلك الإذاعة ، أما عدم مواكبة التلفزيون لهذا التطور فيعود برأيي بعد عمل قارب العشرين عاماً فيه إلى مجموعة من العوامل أبرزها:
· لا تزال العلاقات والوساطات تحكم مختلف التعيينات لمختلف المفاصل الرئيسية.
· استمرار الاعتماد على كوادر من خارج التلفزيون سواء في الإدارات أو في العمل البرامجي!.
· غياب الحوار حول ما هو كائن وما يجب أن يكون من برامج ليس بين الإدارات العليا، بل مع الإدارات الأدنى أيضاً القادرة على أن تقول رأيها دون أن تخشى معاداة الإدارات العليا لها، ومع أصحاب هذه البرامج أيضاً!.
· عدم الاهتمام بتأهيل قيادات وكوادر صف ثاني وثالث!.
· استمرار التعامل بذهنية أن من (نحبه) يفهم بكل شيء وله كل ما يريد، ومن (لا نحبه) لا تعجبنا حتى أفكاره.. ولا شكله!!. وليذهب و(يبلط البحر)!..
· لا يزال الكم هو ما يمكن أن يشكل حجر عثرة أمام النوع، ولاسيما أن من يشكلون هذا الكم هم الأكثر قدرة على الوصول إلى ما يريدون!..
وتبقى ملاحظة زميلتنا المغتربة التي تعمل في تلفزيون عربي حاضرة في ذهني، وأتساءل متى يمكن أن تفتح الأبواب أمام المحررين والمعدين والمذيعين الذين لا يأتون لاحتساء القهوة بالتأكيد!!.
- فهل يمكن إزالة تلك المعيقات؟!.
* لا أعتقد أن ذلك يمكن أن يتم طالما أن الصراعات مستمرة في هذا التلفزيون ليس من أجل الشاشة.. بل عليها للحصول على أكبر قدر من المكاسب والمغانم!.
في التلفزيون الذي خبرته على مدى ما يقارب العشرين عاماً كما ذكرت قبل أسطر، الكل ضد الكل.. أو على الأقل كل شخص يمكن أن يكون ضد كل من يمكن أن يكون منافساً له اليوم أو غداً ، أو حتى بعد حين ليكون الوحيد!..
ويتأجج الصراع بفعل فاعل لا يتمتع بالمهنية أو الكفاءة المطلوبة، وكل كفاءته إما القدرة على الخداع والمراوغة والنفاق والتقلب بين ألف لون ولون حسب الشخص الواقف أمامه وزيراً أو غيره، وهذا لا يجد نفسه إلا إذا ألغى الآخرين وسّفه كفاءاتهم وخبراتهم!.. أو لأنه امتلك قدرة الحصول على الدعم والحماية والرعاية بشكل ما، وهذا لا يستطيع الحصول على المغانم والمكاسب إلا إذا أزاح الكفاءات عن طريقه!..
وغالباً ما يكون هذا أو ذاك طارئاً على الإعلام، مستجداً فيه، وقد يكون عاملاً على القطعة (البونات)!.. والهم الأول والدائم لهذا وذاك تشويه الآخرين وتسفيه أفكارهم وإبعادهم وتهشيمهم قدر ما يستطيعون!!.
والضحية.. أو الضحايا هم من لم يتقنوا أحد أمرين:
الأول:تعلم النفاق والخداع والوصولية!.
الثاني:إقامة علاقات أو الاستفادة من علاقات تحميهم وتدفع بهم إلى الأمام!..
ووسط هذا الصراع الدائر بشكل شبه يومي، وعلى مختلف المستويات نسمع عن جهود لإصلاح الشاشة.. لكن إصلاح الشاشة يحتاج أولاً إلى تعاون.. إلى فرق عمل..إلى عمل من أجل الشاشة، وليس من أجل المكاسب والمزايا!..
ومؤججو هذا الصراع ومن يضرم ناره يعملون للقضاء على كل من يمكن أن يكون منافساً ، أو يمكن أن يكون له رأيه المختلف، أو يمكن أن يكون ممن يرفضون التمجيد والتسبيح بحمد هذا الوزير أو ذاك المدير!!.
لقد تمنيت في هذا التلفزيون عندما كنت لا أزال أعمل فيه أن أسمع حواراً بين أثنين، أو مجموعة بهدف تحسين الأداء، والعمل، والشاشة، وإن حدث ذلك في بعض اللقاءات والاجتماعات، فغالباً ما ينطلق المتحدثون من مواقف شخصية تجاه من يتحدث ، أو من صاحب هذا البرنامج أو الفكرة، أو ذاك!!. فكل الحوارات، أو أغلبيتها هي لتناول الآخرين!!.
الكل في التلفزيون يشتغل في الكل!.. والكل يسيء إلى الكل!..
والكل يطعن بالكل!.. والكل يحاول تهشيم وتهميش الكل إلا إذا كان تحت إبطه كما يقال، ويعمل بتوجيهاته ورعايته!!. والابتسامات التي يمكن أن يتبادلها البعض حتى بين قيادات إدارية هي مخادعة وكاذبة غالباً!!.
في المؤسسات المتقدمة.. في الدول المتقدمة.. عند الشعوب المتقدمة.. ضمن وسائل الإعلام المتقدمة يتحاورون، ويختلفون من أجل نجاح العمل وتحسين الأداء إلا عندنا !.. إنهم يتصارعون من أجل أن يطرد كل واحد الآخر، فلا يبقى حوله غير المطيعين له المسبحين بحمده ، أو غير المنافسين له !.. وقد يكون من يحظى من هؤلاء المطيعين بفرصة التكشير عن أنيابه أكثر شراسة من سيده!!.
لذلك نقول أننا بمثل هؤلاء لا يمكن إصلاح الشاشة!!.
ولذلك فأنا غير متفائل... بل لم أكن متفائلاً يوماً في إمكانية إصلاح هذا التلفزيون لا قبل أن أتركه ولا بعده طالما استمرت ذات المعايير في التوصيل إلى المواقع والبرامج ، وطالما استمرت بيئة العمل الحالية على ما هي عليه !..
February 20th, 2010 - 01:00 AM
التعليقات على الموضوع:
زائر
صحيح كلامك مادام يوجد
صحيح كلامك مادام يوجد "الوسائط"بحياتو مارح ينصلح شيء فالج ولاتعالج
والناس اللي بيخافوا الرب انقرضوا

نقولا ناصيف - لاءات موسكو للرئيس لأسد


















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.

متابع
شكراً للدكتور سمير لهذه المقالة الهامة وهومن الاعلاميين الذين وصلوا الى التقاعد وهمه وغيرته على التلفزيون ولا زالت باقية, وهذا الاعلامي الخبير عرف من خلال الشاشة وبرامجه وكان كل ذلك بجهده وعرقه ، أما بقية الزملاء الخبراء واصحاب الكفائة فقد طوتهم غرف وممرات التلفزيون ،دخلوا شباباً للتلفزيون وخرجوا كهولاً متقاعدين لا أحد يسأل عنهم والكثير على الطريق
فهم ليسوا من اصحاب المحسوبيات ولم تسمح لهم تربيتهم التملق للمدراء والمعنيين ، وبحالة كحالة التلفزيون لن يصلو الى مكانتهم الحقيقية حتى و لوجمعوا كل حروف الجر.
حان الوقت للعمل بجدية لهيكلة الاذاعة والتلفزيون واجراءالتوصيف الوظيفي الدقيق ووضع الرجل المناسب على اساس التسلسل الوظيفي والكفائة والخبرة ومعالجة وتطوير النظام الداخلي ومنع التجاوزات فالتلفزيون هوواجهة البلد الحضارية .
ودمتم عاشقين للتطوير والتحديث .ِ