يهيأ للبعض أن مسودة الدستور التي بين أيادي السوريين قد أقحمت في حياتهم السياسية بشكل مزاجي، أو بشكل غير قائم على مجموعة من المسائل ذات الأبعاد والدلالات والمعطيات المهمة، ما دفع هؤلاء لقراءتها معزولة عن سياقات مهمة وفاعلة في تحديد المشهد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي حتى الروحي السوري، باعتبار أن هناك جانباً فلسفياً وفقهياً حقيقياً يجب أن يكون حاضراً في مسائل تتجاوز المعنى السياسي، حيث بدا وكأن الأمر مشغول على تسليك هذا الدستور في مفاصل المجتمع السوري، دون إيجاد الأبعاد الحقيقية لهذه المسائل المهمة، والمهمة جداً، التي توقف عندها بعض الإخوة المواطنين، وهنا سوف نحاول في هذه العجالة أن نتوقف عند جزء منها، وخاصة تلك المفاهيم التي تم التركيز عليها باعتبارها تحمل إشكالاً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً.
أولاً.. في التقييم العام للدستور.. حيث يبدو أنه لا مكون في سورية على المستوى الفردي والجمعي إلا وله ملاحظة أو ملاحظات، على مشروع الدستور، بحيث لو أعطينا العلامة عشرة لكامل الموقف الإيجابي لأحدنا من الدستور لوجدنا أن أحداً حين يبحث عن ذاته فيه، فلا يستطيع أن ينال العلامة عشرة، أي إن أحداً لم يستطع أن يعطي ذاته في الدستور العلامة التامة، حيث بدا أن هناك من يعطي لذاته العلامة تسعة أو ثمانية أو سبعة.. وهذا بحدّ ذاته ظاهرة طبيعية صحية يعبر حقيقة عن الحالة الطبيعة لعلاقة الدستور بمكونات المجتمع، إذ لا يمكن لدستور في أي كيان في العالم، على مستوى التاريخ والجغرافيا أن يقدم لمكون بعينه كامل مراده منه، وهذا أيضاً أمر طبيعي وصحي، إذ إننا نرى أنه مجرد أن وجد أي مكون من مكونات المجتمع والدولة ذاته كاملة، كما يريدها في الدستور، فهذا يعني أن الدستور ليس دستوراً مجتمعيّاً، وإنما هو دستور لهذا المكون بعينه.
بمعنى آخر يجب على أي مكون، نقول: يجب، ألا يأخذ العلامة عشرة على عشرة في الدستور، وإنما يجب أن تكون هذه العلامة ناقصة، لأنها سوف تعبّر حقيقة عن أن هناك طرفا يشترك معه في حدود هذا النقص، وخاصة أنّه يعتبره حقّا طبيعياً من حقوقه، وهذا يلتقي مع العنوان الرئيسي لمعنى الحقوق والواجبات من جهة، وعنوان آخر في فقه العيش المشترك والذي يتحدث عن: (حريتك التي تنتهي عندما تبدأ حريّة الآخرين)!!!..
هذه واحدة مهمة لم يلتقطها الكثيرون ممن بحثوا عن حقوقهم في الدستور، إذ إن الدستور لا يعطي كامل الحقوق التي يتطلع إليها الفرد، أو التي يعيشها في مكونه الخاص، وخاصة عندما ندرك أن الدستور هو صيغة جامعة لعيش مشترك بين مكونات تبحث عن هذا العيش، وهي متباينة في بعض خطوطها الثقافية والاجتماعية والعقائدية.. في الآن الذي يجب أن ندرك به أن الدستور هو عبارة عن صيغة سياسية، نقول صيغة سياسية، وفقط سياسية، لمعنى من معاني العيش المشترك!!!..
الثانية: إن هناك ظروفاً وشروطاً كانت قد أسهمت في إنتاج المناخ العام للدستور، وهي ظروف وشروط ليست ثابتة تساهم دائماً في إنتاج أي دستور لأي كيان سياسي، بمعنى أن هناك مقدمات ذات خطوط واضحة تكون ظاهرة وحاضرة، وتكون في بعض الأحيان دافعة بشكل قوي جداً، لدرجة أنها تساهم في بنية وخطوط وعناوين أي دستور، وهو أمر طبيعي أيضاً، ليس بمقدور أي نص تشريع أن يكون معزولاً عن الظروف والشروط التي ساهمت في إنتاجه، وحين يكون هذا النص التشريعي بعيداً عن هذه الخطوط والعناوين التي كانت جزءاً من الظروف والشروط المحيطة بإنتاجه، هذا يعني أن النص غير واقعي، لا بل سوف يغدو نصّاً مرفوضاً ولم يعالج المسائل ذات الطابع الملحاح..
مثالنا على ذلك، أن هناك مناخاً ساهم في حذف وإسقاط المادة الثامنة، أي إن جملة شروط أسست لسقوط المادة الثامنة دون أي استفتاء أو استدلال على النتيجة الانتخابية لقدرة هذه المادة على البقاء من عدمه، ولعل هناك رأى يقول إن هناك أغلبية مجتمعية سياسية قادرة ومن خلال صناديق الانتخاب أو الاستفتاء على إبقاء هذه المادة، غير أن الظروف والشروط المساهمة في إنتاج الدستور الجديد، جعلت من هذه المادة مادة ميتة، ولم تقبل أن تجعلها مفصل صراع انتخابي، لأنها سوف تترك أثراً غير محمود على سياق العمل المجتمعي السياسي، وكي يبقى هذا العنوان بعيداً عن متناول الصراع الانتخابي، أي بعيداً عن إمكانية أن يعرض على صندوق انتخابات تم استبداله بنص واضح أساسي تظهّرت فيه الصيغة السياسية لإنتاج السلطة أو قيادة الدولة، وهذا صحيح وطبيعي في ظل هذا السياق أو هذا العنوان.
كذلك الأمر لصيغة اسم الكيان السوري: (الجمهورية العربية السورية)، فقد كانت هناك جملة شروط وظروف ساهمت في إنجاز موقف معرفي لطبيعة التحديات التي تمليها المرحلة، وطبيعة الاصطفافات الناشئة على مستوى العالم، تلك الاصطفافات التي تؤدي أخيراً إلى معنى سياسي واضح ليس بمقدور السوريين، أو أبناء الكيان السوري أن يصمدوا في مواجهة هذه الاصطفافات، إن لم يكونوا جزءاً من معنى جغرافي سياسي اقتصادي تاريخي ثقافي، نعني به العالم العربي.
إذاً.. ساهمت تلك الظروف والشروط الضاغطة في تكوين هذا العنوان في الدستور، وهو أمر يبدو طبيعياً للأغلبية العربية، لكنه ليس كذلك لمكونات أخرى داخل الكيان السوري، لهذا فإنه لزاماً في الكتلة التشريعية الضامنة لحقوق هؤلاء أن تبقى مساحة طبيعية تمنح أبناء هذه المكونات إمكانية التعبير عن ذواتهم في هذا الكيان، رغم العنوان الرئيسي لصيغة الدولة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى إن مجرد إبعاد هذا العنوان عن تمريره في صندوق انتخابات، أي تثبيت هذا النص الدستوري دون إخضاعه لجدل أو حتى تعرضه لصندوق انتخابي مضمون النتائج، يجعل إمكانية ورود حقوق المكونات الأخرى أكثر سلاسة وأكثر سلامة، ولا تتعرض لجدل أو مناكفة يمكن لها أن تنشأ في ظلّ صراع يتنامى ويتشرعن، يمكن أن يقوم حول العنوان الرئيسي لحقوق الأغلبية الرئيسية.
لهذا فإنه في الآن الذي ضمنت الأغلبية الساحقة وجودها الطبيعي في سياق أمتها، فإن النص الدستوري لم يقم الوطن السوري على هذا الأساس، وإنما انكفأ باتجاه الداخل كي ينشأ مفهوم المواطنة السورية، وليس المواطنة العربية، ومن ثم فقد جاء السوريون متساويين في الحقوق والواجبات، ولم يفصل العنوان الرئيسي في طبيعة هذا التساوي فيما بينهم، إلا في مسائل ثانوية جداً، وهي مسائل وعناوين ساهمت في فرضها ذات الشروط والظروف التي ساهمت في تثبيت عنوان العروبة ذاته.
هنا نصل إلى عنوان آخر لا يبتعد كثيراً عن هذا المعنى الذي قدمنا له، نعني المادة الثالثة التي تتحدث عن دين رئيس الجمهورية، إذ إن هناك شروطاً وظروفاً ساهمت في تثبيت هذه المادة التي تبدو غير منطقية لشريحة مهمة في المجتمع، وهي شريحة حاملة للدولة والمجتمع، إن لم نقل رأس الدولة والمجتمع، لكنها ليست هي المجتمع كله، ونعني بها الشريحة المثقفة التي تميل إلى اعتبار الدولة مفهوما مدنيّاً.
إن ورود هذه المادة يحتاج إلى فهم مركّب لا يمكن له أن يقوم على حسابات بسيطة لا تتجاوز الموقف الأخلاقي أو الثقافي لبعض الإخوة الذين ردّوا موقفهم منها على هذا الأساس، بعيداً عن قراءة أعمق من ذلك بكثير، وأنا هنا لا أسوّغ وجودها الأخلاقي أو الثقافي، باعتبار أنني كمثقف أرفض أن تكون موجودة أصلاً أو حتى الإشارة إليها، غير أن فهمي لوجودها، بل فهمنا لوجودها يجب أن يكون مقروناً بأشياء أخرى مختلفة..
لقد قلنا في عنوان سابق إن هناك ظروفاً وشروطاً ساهمت في تمرير بعض العناوين التي تشكل في ظاهرها ضامناً للدولة والمجتمع، وتبعد هذا الضامن عن إمكانية حدوث تجاذب فيه أو عليه، الأمر الذي يمكن لهذا التجاذب أن يساهم في منح مكونات المجتمع مساحات صراع يمكن تجاوزها، من خلال بعض العناوين الأخرى التي لا مسوّغ لها، ويمكنها أن تدفعه إلى جملة انقسامات تفتح الباب على مناكفات مجتمعية عليها أو فيها، الأمر الذي يؤدي إلى تباعد مكونات المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى إلى إحداث مساحات صراع على عناوين أقل أهمية وأقل أولوية.
لهذا كان مطلوباً إغلاق إمكانية الانجرار للصراع على عناوين ثانوية، يمكن أن يؤسس لها إحداث الصراع على (دين رئيس الجمهورية) من خلال أي محاولة تثبيت لهذه المادة لاحقاً لو لم تكن موجودة، من خلال محطة انتخابية يمكنها أن تفصل المجتمع على هذا الأساس، وهذا الفصل بحدّ ذاته لن يكون بعيداً عن عناوين أخرى لا يمكن للمجتمع أن يخرج منها بعدئذ.
لهذا كان يجب أن يغلق الباب في الدستور على كل العناوين التي يمكن أن تساهم في التأسيس لانقسام المجتمع، أو لإمكانية فتح الباب لانقسام المجتمع وفق مكونات طبيعية بالمعنى الروحي، لكنها ليست كذلك سياسياً، الأمر الذي يمكن أن يشرعن هذا الانقسام الاجتماعي ويعطيه عنواناً سياسيّاً، وهذا بحدّ ذاته هو المرفوض كلّياً!!!..

 


المصدر: الوطن

February 22nd, 2012 - 06:31 AM بوكمارك