

حسن م. يوسف - السر وراء إعدام القذافي
قبل بضعة أعوام التقيت العقيد معمر القذافي ضمن فريق فيلم «الظلم، سنوات العذاب» لمناقشة سيناريو ذلك العمل الذي أجهض بعد تصوير اللوحة الأولى منه.
عقب خروجنا قال لي وزير الإعلام والثقافة الليبي الذي قبّل يد القذافي عند دخولنا: «ما شاء اللـه أعصابك ممتازة» ولما سألته عن سبب ملاحظته تبين لي أن القذافي حاول الكتابة بقلم ناشف أثناء مداخلتي، وعندما لم يكتب القلم قام برميه عبر باب الخيمة على مدِّ ذراعه.
يومها ابتسمت للوزير دون أن أقول شيئاً لأنني بكل بساطة كنت أنظر إلى داخلي وأنا أتكلم، ولهذا لم أرَ يد القذافي وهي تقذف القلم من بين رؤوسنا.
صحيح أن الرجل أصبح بين يدي ربه الآن ولا تجوز عليه إلا الرحمة، إلا أنني أود أن أعترف أنني خرجت من الاجتماع معه وقد ازداد عدم ارتياحي له، ولهذا لم أتوقع أن أحزن عليه، وخاصة أنني في آخر إشارة مكتوبة إليه شبهته ببروكوست عملاق الصحراء الليبية الذي كان يلزم أضيافه بالنوم في سرير خاص فإذا كان الضيف طويلاً قصَّه كي يصبح بطول السرير، وإذا كان قصيراً مطّه إلى أن يصبح بطول السرير ولا داعي لتوضيح النتيجة في الحالتين.
رغم كل ما سبق فقد طفرت الدمعة من عيني عندما رأيت ما يسمى مقاتلي المجلس الانتقالي الليبي وهم يجرُّون العجوز القذافي بقسوة فظيعة، وقد سقطت عن رأسه الباروكة التي اعتاد أن يرتديها، على حين هو يصيح فيهم: «يا أولادي هل تقتلونني؟ يا أبنائي أنا القذافي.. أنا القائد.. ماذا تفعلون؟ حرام عليكم!».
وقد ازداد قلبي انقباضاً عندما رأيت صورة الفتى أحمد الشيباني الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من العمر، وهو يصيح «النصر.. النصر» ويلوح بمسدس مذهَّب قال إنه قد نزعه من القذافي قبل أن يقتله.
لست أريد تبرئة القذافي من الممارسات التي نسبت أو قد تنسب إليه، والتي يمكن القول إن أغربها وأطرفها إيعازه لأحد الفنانين بتأليف معزوفة خاصة لكونداليزا رايس بعنوان: «وردة سوداء في البيت الأبيض»، كما تقول وزيرة خارجية بوش في مذكراتها التي نشرت مقاطع منها يوم الخميس الماضي، لكن أقبح ممارسة شهدتها ليبيا منذ إعدام شيخ المجاهدين عمر المختار ابن السبعين عاماً على أيدي الطليان، هي قيام الليبي أحمد الشيباني ابن الثامنة عشرة بإعدام معمر القذافي البالغ من العمر تسعة وستين عاماً، أي أصغر من عمر المختار بعام واحد!
بعض الخبراء يرون أن سبب هجوم الغرب على نظام القذافي يكمن في استقلاليته الاقتصادية ورفضه أخذ قروض بفوائد مرتفعة من البنك الدولي، فليبيا من البلدان القليلة في العالم التي لا تدين بقرش واحد لأحد، وإذا تجاوزنا الحديث عن كذبة الغرب الكبرى المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، التي أثبتت زيفها في رواندا والكونغو، فسنجد أن السبب الوحيد المقنع لقيام الغرب بشن حربه على القذافي هو أن القذافي ناشد الدول المنتجة للنفط ألا تبيع نفطها بالدولار الأميركي ولا باليورو الأوروبي بل بالذهب، وقد كان من شأن هذا أن يؤدي لإفلاس كل البلدان الغربية تقريباً لأن معظمها لا يملك من احتياطي الذهب ما يغطي كل ما تصدره من عملاتها الورقية. وقد علق أحد الخبراء على ذلك بقوله: «تذكروا أن آخر شخص ملك (الجرأة) للمطالبة بشيء شبيه بهذا كان صدام حسين، عندما نصح كل دول الأوبيك بعدم قبول الدولارات الأميركية ثمناً للنفط، ونحن جميعاً نعلم ماذا فعلوا به».
صحيح أن ليبيا كانت تعاني الفساد الذي هو تحصيل حاصل في الأنظمة الفردية المنفلتة من رقابة مجتمعاتها، إلا أن النزاهة تقتضي أن نعترف بما تحقق على أرض الواقع فربع الليبيين تقريباً باتوا من حملة الشهادات الجامعية، وصار متوسط دخل الفرد الليبي هو الأعلى في إفريقيا.
لقد وضعت الدول الإمبريالية الثلاث أميركا وبريطانيا وفرنسا كل ثقلها في ليبيا لا حُباً بالليبيين ولا كرهاً بالقذافي، بل دفاعاً عن اقتصاداتها المترنحة، لتأبيد وضعها المتميز على حساب بقية شعوب العالم.
المصدر: الوطن
October 23rd, 2011 - 08:27 AM

نقولا ناصيف: كاد الشمال يصير بابا عمرو كبيراً




















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.

سكينة
السلام