هدد نائب مقرب من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والتجارية مع سورية إذا لم تسلم دمشق اللاجئين العراقيين الذين تتهمهم بغداد بارتكاب أعمال عنف، الأمر الذي تزامن مع نشر السلطات العراقية قوات إضافية في منطقة القائم الحدودية مع سورية بعد ما قالت إنها أحبطت محاولة لتفجير شاحنة ملغمة.
النغمة العراقية الجديدة القديمة تعيدنا بالذاكرة إلى سياسة حاول أن يتبعها النظام العراقي السابق في عهد الرئيس صدام حسين، ليس فقط مع سورية وإنما مع جميع دول جواره حتى وضع بلاده في سجن كبير بعد أن توترت علاقته مع دول الخليج كافة وقبلها إيران وسورية وتركيا.
والحالة التي ورط صدام فيها نفسه جعل نظامه يتآكل من الداخل حتى أصبح لقمة سائغة في فرامة اللحم الأميركية.
مفهوم أن تستغل الكتل السياسية الظروف قبيل أي انتخابات، فكيف إذا كانت مصيرية مثل تلك التي باتت على الأبواب في العراق، ولكن من غير المفهوم أن يهدد الغريق المتخبط في بحر هائج ليس من المياه وإنما من الدماء، أن يهدد اليد التي تمتد إليه لتخرجه وتنقذه من الغرق.
العراق اليوم يعتبر الشريك الاقتصادي الأول لسورية حيث يشكل الميزان التجاري بين البلدين ما نسبته نحو 17 بالمئة من حجم التبادل التجاري السوري الخارجي وهو ما يعادل نحو ثلاثة مليارات دولار منها ملياران ونصف مليار صادرات سورية، وبالتالي فإن سورية تعتبر من الموردين المهمين للعراق وتلقى بضائعها رواجاً كبيراً من الشارع العراقي، وأي تعثر للعلاقات الاقتصادية بين البلدين بالتأكيد لن يترك آثاره على سورية فقط بل على العراق أيضاً.
ولطالما فكرت سورية وفق المنطق الذي تحدثنا عنه سابقاً، أي محاولة إخراج العراق من مستقنع العنف الذي يسبح فيه ليس فقط بسبب تحويله إلى ميدان لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وكل التنظيمات الإسلامية الراديكالية، وإنما أيضاً بهمة حكومة الطوائف التي ترفض تعلم درس صدام في عدم إلقاء اللوم، رغم سهولته، على الآخرين، وتصر على خدمة المصالح الإسرائيلية عبر إخراج العراق من ساحة المواجهة.
المنطق السوري السابق دفع بكل مؤسسات الدولة إلى الترويج لمشروع الربط بين البحار الأربعة، قزوين والأسود والمتوسط والخليج، عبر رؤية تكاملية إستراتيجية لخلق بيئة اقتصادية إقليمية قادرة على مواجهة التحديات الدولية، وعلى الخلاف من ذلك بتنا نسمع من بغداد أصواتاً تلوح بمعاقبة سورية، متناسية أن العراق هو البلد المحتل وأن شعبه هو الذي يتعرض للإهانة بشكل شبه يومي لدرجة أن نحو أربعة ملايين منه هربوا من ديمقراطية مزيفة تم استيرادها عبر الدبابات، ويعيش نحو مليون ونصف مليون منهم في سورية يتقاسمون مع أهلها الخبز والماء والكهرباء.
هل تريد هذه الأصوات أن تغلق سورية حدودها مع العراق؟ وهي الحدود التي ينتقل عبرها نحو ألفي عراقي جيئة وذهاباً بشكل يومي؟ وهي الحدود التي باتت المتنفس الأهم للعراق ولأهله من ويلات الحالة الأمنية الملتهبة في العراق، وكيف سيكون حال هذه الكتل السياسية إذا استيقظت في اليوم التالي لتسمع بقرار سوري يقضي بإعادة المليون ونصف مليون إلى العراق؟
بالتأكيد أن دمشق لا تفكر بالطريقة التي يفكر فيها أشبال السياسة في بغداد، ولكن على هؤلاء أن يحسبوا كلامهم جيداً قبل أن يلوحوا بما لا يمتلكونه حتى لا ينطبق عليهم المثل القائل: «من كان بيته من زجاج فعليه ألا يرمي غيره بالحجارة».
وإذا استمرت النغمة العراقية بالتهديد والوعيد فإني أدعو الحكومة السورية إلى التفكير جدياً في إمكانية إغلاق الحدود مع العراق، «فالباب الذي يأتي منه الريح .. سده واسترح».

 
 


المصدر: الوطن السورية

November 25th, 2009 - 02:50 AM بوكمارك