تتسارع تطورات الاحداث في المنطقة العربية، منذ ارتكاب قوات البحرية الاسرائيلية مجزرة على ظهر سفينة مرمرة التركية التي كانت ضمن قافلة اسطول الحرية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، فتركيا مصممة على قطع العلاقات الدبلوماسية مع تل ابيب، اذا لم تعتذر الاخيرة عن مقتل تسعة من الناشطين الاتراك، وتقبل بتشكيل لجنة تحقيق دولية. وجورج ميتشل مبعوث السلام الامريكي طار الى المنطقة للقاء بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي والرئيس الفلسطيني محمود عباس. في اطار مساعي حكومته من اجل التهدئة.
الرئيس السوري بشار الاسد رسم صورة قاتمة قد تعطي مؤشرا لما قد يحدث في المنطقة في الاشهر المقبلة، عندما استبعد وجود اي فرص للسلام لغياب الشريك الاسرائيلي الجدي، واكد في تصريحات أدلى بها الى محطة التلفزيون البريطاني (BBC) ان الهجوم على سفن قافلة الحرية زاد من احتمالات الحرب.
وما طرحه الرئيس السوري ينطوي على الكثير من المنطق، والتحليل الدقيق للاحداث، فالحكومة الاسرائيلية الحالية التي تمارس ابشع انواع 'البلطجة' في عرض البحر، وتعترض سفن اغاثة انسانية وتطلق النار بهدف القتل على نشطائها المسالمين العزل، لا يمكن ان تكون حكومة تتطلع الى السلام مع جيرانها على اسس العدالة الدولية. انها حكومة حرب بكل المقاييس لن تتورع عن شن عدوان على سورية ولبنان وربما ايران ايضا، لخلط الاوراق، في مقامرة جديدة للخروج من عزلتها وازماتها الداخلية المتفاقمة. فمن الواضح ان ايران لن تتخلى عن طموحاتها النووية، ولن تقبل في الوقت نفسه الرضوخ للعقوبات الدولية المفروضة عليها بضغط امريكي ارضاء لاسرائيل، اما تركيا التي اهينت مرتين من قبل اسرائيل، الاولى: عندما اعتدت قوات البحرية على سفنها في المياه الدولية. والثانية: عندما قتلت تسعة من ابنائها بدم بارد، فلن تسكت عن هذه الاهانة. والرئيس السوري لمح الى ذلك بقوله ان اسرائيل ستدفع ثمنا باهظا بارتكابها مجزرة السفينة 'مرمرة'.
المنطقة تشهد حاليا ولادة حلف ثلاثي جديد يضم اقوى الدول فيها، وهي تركيا وايران وسورية، يجد امتدادا عسكريا له من خلال ذراعي مقاومة، متمثل في 'حزب الله' اللبناني وحركتي 'حماس' و'الجهاد' الفلسطينيتين. الامر الذي يخلق حالة من الردع الاستراتيجي، وينهي عمليا التفوق العسكري الاسرائيلي الذي أرهب الجوار العربي طوال الثلاثين عاما الماضية في اقل تقدير.
اللهجة السورية التي تعكس ثقة بالنفس غير مسبوقة، تجسد موازين القوى الجديدة في المنطقة التي لم تعد لصالح اسرائيل. صحيح ان الاخيرة تملك ترسانة متطورة، وسلاح طيران ما زال الاخطر بالمقارنة مع نظيره في كل من سورية وايران وتركيا، ولكن علينا الاخذ في الاعتبار الحقائق العسكرية الجديدة، واهمها عدم قدرة سلاح الطيران على حسم المعارك لصالحه، مثلما كان عليه الحال في الحروب العسكرية الاسرائيلية السابقة، وخاصة حربي، حزيران (يونيو) عام 1967 وتشرين (اكتوبر) عام 1973.
سورية لم تعد معزولة مثلما كان عليه الحال قبل ثلاث سنوات، ونجحت في استبدال عمقها العربي المتآمر عليها والمتواطئ مع المخططات الامريكية بشكل مباشر، والاسرائيلية بشكل غير مباشر، بالعمقين الايراني والتركي الاكثر دعما للقضايا المصيرية العربية.
المنطقة تتغير ولكن في غير صالح اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، ولا بد من الاعتراف بان العنصر الأبرز في احداث هذا التغيير هو العامل التركي بالدرجة الاولى والايراني بالدرجة الثانية، والذكاء السوري في التصرف بطريقة عملية براغماتية من خلال التقريب بين هذين العاملين، بحيث تكون سورية هي اللُحمة او 'الغراء' اللاصق لهما، وتوفير الشرعية الوطنية العربية لهذا المثلث الاستراتيجي الجديد.
 


المصدر: القدس العربي

June 18th, 2010 - 06:27 PM بوكمارك