مازالت التحقيقات في قضية مقتل سوزان تميم تلقي بالمفاجآت، ففي حين تدفع أقوال الوكيل العقاري كاساكي بريطاني الجنسية، بالكردي رياض العزاوي بريطاني الجنسية أيضاً، إلى مربع الاتهام حيث أكد في أقواله أنه حاول أن يعرف من العزاوي اسم من أخبره بالخبر، فرفض وأغلق الاتصال في وجهه، في الوقت نفسه تدفع أقوال بعض الشهود بمحسن السكري وهشام طلعت مصطفى إلى مربع البراءة، وما بين مربع الاتهام ومربع البراءة تؤرجح أقوال الشهود قلوب المتهمين، بل قلوب كل أطراف القضية من شهود ومتهمين وأقارب ومحامين ورجال أعمال أيضاً. لقد طلب هشام مصطفى في آخر تحقيقات له مد التحقيق في القضية لمعرفة صلة شركة إعمار الإماراتية بأي طرف من أطراف القضية خصوصاً محسن السكري. كل هذه الأحداث تدعونا للتأكيد على سؤالنا الذي طرحناه سابقاً: هل ما زال قاتل سوزان تميم طليقاً؟
وفي سبيل الإجابة عن هذا السؤال ليس أمامنا سوى تتبع كل خيوطها من خلال أقوال الشهود والمتهمين في التحقيقات، فحل ألغاز مثل هذه القضايا يكمن في التفاصيل الصغيرة، والكلمات العابرة والشهود الهامشيين، هذا بالاضافة ودون شك إلى قراءة دقيقة متأنية لتقارير المعامل الجنائية والطب الشرعي. وبناءً عليه فليس أمامنا الآن سوى تتبع أقوال الشهود اللبنانيين، والشاهد الهندي، والنيبالي، والباكستاني، والأردني، بالإضافة إلى الشاهدة الاذربيجانية بائعة الهوى، التي ستقلب فيما يبدو كل توقعات القضية رأساً على عقب.

نبدأ من شهادة إدارة الأدلة الجنائية في شرطة دبي حيث أكدت أن اللواء خميس مطر قائد عام شرطة دبي بالوكالة، وخبيرة الأدلة الجنائية فريدة الشمالي حضرا إلى مكان الحادث في حوالي الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم الحادث، فوجدا الجثة مغطاة بالكامل بملاءة بيضاء وفوطة بيضاء على أرضية ممر الشقة بالقرب من الحمام، وبحضور الطبيب الشرعي أكد أن الوفاة مرت عليها 5 ساعات، والجثة متيبسة بالكامل. وهو ما أكدته الخبيرة فريدة الشمالي حيث أشارت إلى أن المجني عليها ماتت في السادسة تقريباً في حين أن تحقيقات دبي والقاهرة أكدت أن محسن السكري غادر مطار دبي صباح يوم الجريمة في تمام الساعة 11،02 صباحاً.
بفرض صحة هذه البيانات، فإن القضية ستشهد أسماء أخرى تماماً، كما ستفرض قضايا تعويضات من أولئك الذين سجنوا وشوهت علاقاتهم الاجتماعية، ومنهم من ضاع مستقبله السياسي بالمرة حتى لو برأته المحكمة ألف مرة.
إن هذه الملاحظة الجنائية الدقيقة والخطيرة تؤكد أن حركة سير القضية لن تكتمل حتى نهايتها في الاتجاه نفسه، بل ربما، وبناء على شهادات صغيرة أخرى وكلمات عابرة في أي تقرير، ربما تأخذ اتجاهاً آخر وربما اتجاهات كثيرة غير متوقعة.
شهادة بائعة الهوى
خذ عندك شهادة ألكساندرا كودينوفا بائعة الهوى الاذربيجانية التي كانت ترافق محسن السكري أثناء إقامته في دبي. لقد أدلت الكساندرا بشهادتها التي ربما تساعد محسن السكري، بالاضافة إلى الملاحظة المعملية من فريدة الشمالي، على الخلاص من حبل المشنقة وبالتبعية هشام طلعت مصطفى، لقد كانت الكساندرا مع محسن السكري، أو مومو كما كانت تسميه في غرفته قبل الجريمة بدقائق.
أقوال الكساندرا من واقع تحقيقات شرطة دبي كما جاءت القاهرة:
• هل زرته في مقر إقامته؟
ــ نعم حيث اتصل بي، وتوجهت إلى فندق هيلتون وتناولت وجبة العشاء معه في مطعم في الفندق ذاته، وبقينا حتى الساعة الثالثة صباحاً. واتصل بي في اليوم ذاته وأخبرني بأنه غيّر مقر إقامته إلى فندق شاطئ الواحة وأخبرني بأنه جديد في دبي ولا يعرف أماكن السهر، وطلب مني أن أقوم بحجز طاولة له في أي ملهى. وبالفعل حجزت له طاولة في فندق دبي مارينا في منطقة جميرا وتحديداً في الملهى المسمى بودوار. وفي حوالي الساعة 12،00 بعد منتصف الليل توجهت إلى فندق دبي مارينا فوجدته في الملهى على الطاولة التي تم حجزها.
• إلى أي ساعة بقيتما في ملهى بودوار؟
ــ حتى الثالثة والنصف تقريباً، وبعدها عرض عليّ مرافقته إلى فندق الواحة، وذهبت برفقته إلى غرفته. ولكني لا اذكر تحديداً رقم الغرفة، ولكن اعتقد أنها تقع في الدور السابع أو الثامن. وبقيت معه في الغرفة حتى الساعة 8 صباحاً حيث أبلغته أنني سوف أسافر، فأبلغني بأنه ينوي السفر في اليوم ذاته، وعرض عليّ صورة طفلة أخبرني بأنها ابنته، وعرض عليّ الزواج، والحضور لإتمامه في مصر، وتحديداً في شرم الشيخ، وأضيف كذلك أنني مارست الجنس معه مرتين وكان يستخدم الواقي الذكري، وسلمني 3000 درهم.
• هل المبلغ مقابل ممارستك الجنس؟
ــ كلا، لكنه وضع شيئاً ما في حقيبتي وقال إن لك هدية في الحقيبة، وبعد خروجي تبين أنه مبلغ 3000 درهم.
• هل زودك برقم هاتفه للاتصال به سواء في الدولة او خارجها؟
ــ نعم من خلال البطاقة التعريفية الخاصة به.. وفي جميع الاحيان هو من يتصل بي ولكن يتصل بي من الخط الخاص بمصر..
• هل كان هناك اشخاص يترددون عليه اثناء وجودك معه؟
ــ كلا، لكنه كان كثير التحدث في الهاتف، واثناء ما اكون معه في الغرفة يذهب ويتحدث في الشرفة، وعندما كنا في الملهى الليلي كان يستدير بوجهه ويتحدث باللغتين العربية والايطالية.
مسمار في نعش الاتهام
رغم ان التوقيت الذي تركت فيه الكساندرا محسن السكري يتيح له ان يرتكب الجريمة قبل ان يغادر دبي، فان ملاحظات الطب الشرعي حول توقيت وفاة سوزان تميم يباعد بين الجريمة وبين السكري.. ليس ذلك فقط بل ان المستشار المحمدي قنصوه، رئيس محكمة جنايات القاهرة، والمعروف بتشدده في الاحكام، حتى ان مجرد توليه القضية فتح باب التكهنات في الشارع السياسي والصحفي في مصر بأن هشام مصطفى والسكري في انتظار احكام مشددة لن تقل عن عشرين عاما، المستشار قنصوه ظهرت على وجهه امارات الدهشة، وعلى وجوه كل الحاضرين بقاعة المحكمة فور فض الحرز الخاص بسلاح الجريمة.. فسلاح الجريمة الذي قدمته النيابة هو سكين صغيرة متعددة الاستخدام (قصافة ومقص، وفتاحة خمور) وهو ما دفع القاضي نفسه لان يسأل النيابة العامة: «هو السلاح ده يقتل؟ فرد اعضاء النيابة: نعم.. 
وعلى الرغم من سرعة اجابة النيابة ونبرتها المؤكدة فإن سؤال رئيس المحكمة يدق مسمارا جديدا في نعش الاتهام الذي يلبس هشام طلعت والسكري على مدى اكثر من شهرين.
علينا اذن ان نهتم من الان فصاعدا بالشهود الهامشيين والكلمات العابرة.. فسوف يعمل المحامون وخبراء الجريمة ومن الان فصاعدا الشيء نفسه اعني النظر الى كل ما يمكن ان يعتبره القارئ العادي امرا تافها..
شهادة سائق أردني
تقول التحقيقات ان رام ناريان (نيبالي الجنسية) ويعمل حارس عقار تعرف على صورة محسن السكري من بين مجموعة صور، وتذكر حارس العقار لملامح المتهم لا يثير العجب كثيرا، كما هي ذاكرة احمد علي مفلح (اردني الجنسية) ويعمل سائق تاكسي في دبي، الذي اكد ان صورة الشخص المعروضة من قبل افراد تحريات شرطة دبي هي صورة لشخص لا يعرف اسمه، لكنه يؤكد ان هناك شخصا قام بإيصاله من عند فندق الواحة الى مركز ميركاتو مول بالجميراء تنطبق عليه بعض الملامح على الشخص نفسه المعروضة عليه صورته.. يقول السائق مفلح:
«نعم، من خلال عملي في تاكسي الليموزين الخاص بنقل الزبائن التابعين لفندق الشاطئ بحسب طلب الزبون افيد انه في حوالي الساعة الثامنة والنصف مساء يوم السبت او الاحد لا اتذكر بالتحديد اليوم طلب من ذلك الشخص إيصاله الى مركز ميركاتو الكائن بمنطقة الجميراء، ثم ارجعه الى الفندق نفسه فأوصلته الى ميركاتو بعد تقريبا عشرين دقيقة تقريبا، وعند نزوله سألته هل انتظره في المكان نفسه ام اغادر ويتصل بي في وقت آخر. عندها قال لي أن اعود اليه في حوالي الساعة العاشرة والنصف مساء، ثم اخذ رقم هاتفي المتحرك وعمل لي ميسدكول. 
بعدها تحركت من المكان، وفي حوالي الساعة العاشرة والربع تقريبا كتبت رسالة نصية قصيرة لاعلامه بأنني بانتظاره خارج المركز وكان هاتفه دوليا يبدأ برقم 0020، على ما اعتقد أنه مفتاح الاتصال الدولي لجمهورية مصر، وفي حوالي الساعة العاشرة والنصف تماما وبحسب الموعد خرج المذكور من المركز وصعد السيارة التي كنت فيها وكان بحوزته كيسان بلاستيكيان بنيا اللون متوسطا الحجم، لكن في الحقيقة لا اعرف ما بداخلهما.
المهم تحركنا واتجهنا الى الفندق نفسه (فندق شاطئ الواحة)، حيث كان المذكور في بداية الامر يتحدث معي باللغة الانكليزية، الا انه اثناء عودتنا الى الفندق وردني اتصال هاتفي من صديق مصري الجنسية ورددت عليه باللهجة نفسها، عندما سألني ان كنت مصريا أخبرته بأنني اردني. عندها افادني بأنه لم يكن يعرف بأنني عربي، وعرفني بنفسه في البداية أنه مصري، ولم يذكر لي اسمه، واتى الى الدولة زائرا لغرض السياحة. وبعدها واصلت المسير الى الفندق من دون اي حوار حيث كان منعزلا وقليل الكلام.
المهم وصلنا الى الفندق حوالي العاشرة وخمسين دقيقة مساء ثم نزل وصعد الى الفندق، ومنذ ذلك الحين لم اشاهده مرة اخرى، وكان يرتدي بنطالا رياضيا بني اللون قصيرا الى تحت الركبة، وقميصا لا اتذكر لونه على وجه التحديد، كما اعتقد انه كان يرتدي حذاء رياضيا وكان بمفرده، كان شارد الذهن لكني حاولت ان اتحدث معه اثناء ما كان معي في التاكسي الا انه لم يعرني اي اهتمام.
.. وسائق باكستاني
وقبل ان نقول ملاحظاتنا حول اقوال السائق الاردني نذكر بالمرة اقوال سائق التاكسي الباكستاني ناصر اقبال الذي افاد جهات التحقيق الاماراتية ـ حسبما جاء في تحقيقات شرطة دبي ـ افاد ان الصورة المعروضة عليه لا يعرف اسم صاحبها او جنسيته، لكنه يؤكد ان هناك شخصا قام بإيصاله من عند فندق شاطئ الواحة الى فندق شاطئ دبي مارينا وهو مصري الجنسية ـ لاحظ اقواله في البداية بأنه لا يعرف اسم صاحب الصورة او جنسيته وقال ناصر اقبال:
كان المذكور يتحدث معي بشكل طبيعي واخبرني بأنه مصري ويملك مطعمين في شرم الشيخ وانه حضر الى البلاد زائرا لغرض التجارة.. وهو متوسط القامة، قوي البنية، حنطي البشرة، شعره اجعد قصير، من دون شارب او لحية يبلغ من العمر ما بين 35 و 40 سنة تقريبا.
الغريب في شهادة السائقين ــ الأردني والباكستاني ــ أنها تبدو وكأنهما تلقناها، فالأردني ذكر في أقواله كيفية تعرفه على جنسية السكري بأن السائق تلقى مكالمة من أحد الاصدقاء المصريين فكلمه بلهجته فشك السكري في جنسيته ومن ثم عرف السائق أن الزبون مصري.. لكن ناصر إقبال، السائق الباكستاني عرف أن السكري مصري دون أن يعلمنا كيف عرف ذلك.. طبعا لأن اللغة هنا مختلفة.
ملاحظات مثيرة.. وغريبة
الأمر المثير أيضا والغريب أن السائق الأردني يذكر ساعة ركوب السكري معه على وجه الدقة 8،30 ولكنه لا يذكر اليوم السبت أم الأحد، الأكثر غرابة أنه يذكر لون البنطال الرياضي البني، والحذاء الرياضي، ولكنه لا يذكر لون القميص، على الرغم من أن الأولى بسائق التاكسي أن يذكر لون وطبيعة الملابس العليا فهي التي يراها كلما نظر الى الزبون، ولكن السائق كان على علم فيما يبدو أنه سيستدعى للشهادة في قضية تحتاج الى بيانات تخص بنطالا رياضيا وحذاءً رياضياً أيضاً، ويبدو أنه على مدى شهر يوليو 2008 كان يدقق النظر في البنطلونات والأحذية الرياضية، شكلها وألوانها، ولم يكن يهتم بالقمصان، فالقضية التي كان ينتظر وقوعها ليس للقمصان فيها دور.. كما أن الصديق المصري الذي هاتفه كان مقصودا.. وانظر عزيزي القارئ مكالمة تلفونية وخطاب بين السكري والسائق عن البلد والعمل وسبب الزيارة كل ذلك في عشرين دقيقة هي الوقت الذي استغرقه الطريق، ومع ذلك يقول السائق الأردني إن السكري شارد الذهن ومنعزل وقليل الكلام.. ربما.
السائق الباكستاني هو الآخر مازال يذكر تفاصيل عن السكري قد ننساها نحن الآن ونحن نتابع القضية على أهميتها الإعلامية والقانونية لنا جميعا.. فالسكري يملك مطعمين وأين؟ في شرم الشيخ.. كما أن السكري ــ والكلام للسائق ناصر إقبال الباكستاني ــ متوسط القامة، قوي البنية، حنطي البشرة، شعره أجعد قصير، من دون شارب أو لحية.. تفاصيل تريد الانتهاء من القضية في أسرع وقت، فقد عرفت شرطة دبي القاتل ثم هي ترتب أن تلبسه القضية وتنتهي..
علامات استفهام كثيرة
إن هذه التفاصيل التي وردت في أقوال السائقين تزيد من احتمالية براءة، ليس هشام طلعت مصطفى وحده، ولكن براءته هو والسكري في الوقت نفسه.. هل يذكر السائق الأردني اسم صديقه المصري الذي هاتفه وهو يوصّل السكري؟ عليه أن يستعد فالمحامون سوف يسألونه عن هذا الصديق لأخذ أقواله.. عليه أن يتذكر أين كان القمر في السماء في هذه الليلة فسوف يدرس رجال البحث الجنائي ذلك كي يحددوا مدى تعرف السائق الأردني على الألوان وكيف يذكر لون البنطال ولا يذكر لون القميص.
وعلى بائعة الهوى الأذربيجانية، كذلك أن تتذكر هل كان يستعد السكري للخروج بعد الليلة التي قضاها معها أم لا؟ وإذا كان مستعدا فماذا كا يرتدي، وهل دفعت الى القضية لتثبت ان السكري لم يقتل أم لتثبت مثل كل شهود دبي أن السكري كان وحده بعد الثامنة وحتى سفره من دبي الى القاهرة.. 
من يظن أن تحقيقات القضية قد انتهت، وأن الباقي هو النطق بالحكم مخطئ، فالقضية مهمة لعشر جنسيات على الأقل، والمتهم الاول بها رجل أمن دولة محترف، والثاني رجل أعمال مقرب من صناعة القرار في النظام المصري، والقتيلة مطربة معتزلة، ومسرح الجريمة مدينة عالمية كوزموبوليتينية وعلينا جميعا أن ننتظر مفاجآت أكثر.

 
 
 

المصدر: القبس

October 27th, 2008 - 04:21 PM بوكمارك