الكثيرون يظنون عباس بن فرناس أنه رجل مجنون، (معط) ريش دجاجات حارته، وصنع منها رداء صعد به إلى أعلى هضبة في قرطبة ورمى نفسه محاولا الطيران.
ولكن الواقع يقول غير ذلك في كتاب ' المُغْرِب في محاسن حَلْي أهل المغرب ' بضع حقائق تكاد لا تصدق عن هذا الرجل، ملخصها إن جدنا الطيّار الأول لم يمت في تلك المحاولة المجنونة، بل على العكس عاش بعدها طويلا ليس بكامل صحته على الغالب لأن عاموده الفقري تأذى قليلا من محاولته الشجاعة في التحليق، لكنه مات شيخا موقرا في مختبره سنة 887 عن عمر يناهز السابعة والسبعين.
فالرجل غيبه إعلام الوراقين في تلك الحقبة، لمحاولته التشبه بمخلوق آخر، مخالفا العقيدة الصحيحة وبعض الشخصيات المتزمتة رأت في أفكاره، تجاربه ورغبته بالطيران نوعا من التشكيك الديني، لأنه برأيها يخالف الطبيعة البشرية، ويتحدى إرادة الخالق.
ومن هنا تم طمس الكثير من أفكار هذا العالم الجامح ذي الشخصية الخارقة للمألوف بالواقع، فالمصادر التاريخية تنقل بخجل، صورة لعالم كبير مفكر غير تقليدي وشاعر ساخر بامتياز، مخترع لا يكلّ، له براءة أختراع لعشرات الأدوات أهمها 'الميقاتة' آلة قياس الزمن ومعرفة تواقيت لظواهر فلكية.
والمنقلة التي غيرت وجهة الهندسة والرياضيات. وذات الحلقات المعروفة بدقتها متناهية في قياس المسافات بين النجوم وترصد تحركاتها. ويروي ابن سعيد في كتابه 'المُغْرِب' إنه حوّل سقف بيته لقبة سماوية تحاكي تغيرات مسارات النجوم، وخص الأرض باختراع مذهل دان له فقراء الأندلس شكرا، وجر عليه نقمة التجار المحتكرين، باستنباطه صناعة الزجاج من الرمل، وتحويلها إلى صناعة عامة، بعد أن أفشى سر احتكار كبار التجار لها. وتلمح المصادر أن نقمة التجار وعلاقتهم الوثيقة مع دوائر النفوذ والسلطة الدينية هي التي عرضت بن فرناس للافتاء بمحاكمته ومن ثم تغييبه.
أما شطحته المذهلة للطيران فالمصادر تؤكد أن عباس بن فرناس قد طار لمسافة بعيدة، وسقوطه كان بسبب خلل بسيط في حساباته وبقي حلمه بالطيران قائما وتجربته الثانية لو ساعده جسده كانت ستكون طائرة شراعية مثل التي نعرفها في عصرنا الحالي، بعد ان حل المشاكل الرياضية لتصميمه الفريد. ووضع توازنا للذيل الذي خذله أول مرة.
'
بنت فرح وابن فرناس وعلم الفلك

وفي هذه اللحظات السرية السحرية بينما أنا أقرأ ما خطه ابن فرناس وأرى جيوش العرافين على محطات التلفزة اللبنانية من كارمن ومنافساتها وخصوصا تلك المثقفة الشقراء ذات الصوت المخرش بالسعال، تستعمل كتب ورسوم جدنا ابن فرناس لتطيّر ما تبقى من عقولنا، فماغي فرح المذيعة الواعية، والمثقفة المحترمة، والمحاورة الذكية، قررت أن الوعي والثقافة والذكاء يمكن أن تجلب أموالا وشهرة على حساب الجهلاء وها هي على أبواب التقاعد، والإفلاس الإعلامي تطلق كتابها المنظر لهذا العام تحت عنوان 'حرب الكواكب' حولها من وجه صحافي مرموق إلى مشعوذة قادمة من كوكب أورانيوس بعد إنزياحه ليواجه المريخ، ويتعامد مع الكواكب الأربعة في كسوف يحمل البلاء على البلاد والعباد.
الغريب أن محطتها البرتقالية OTV' 'المعروفة بنزعتها العلمانية تصدرها برفقة زميلها المشعوذ الآخر مايك فغالي المتصالح مع نفسه كما يحب موقع التيار الوطني الحر تسميته، لا تتوانى على اسباغ العقل على كل هذا الهذيان الفلكي، لا تدخر جهدا لعرض آخر مبتكرات وصيحات الهلوسة إلا وتتحف به مشاهديها. والغريب ان الإعلامية المتأنقة، تستخدم لغة منطقية لإسباغ معقولية على هلوستها، وتستعين بشهادات لسياسيين ومفكرين، ومثقفين لبنانين كبار ليشهدوا بمصداقيتها، وبقليل من أبطال سحر الوصفات الفلكية، سيجد من تبقى به عقل إنهم جميعا أما أقارب أو أصدقاء أو أصحاب دور النشر التي تطبع كتابها. وبقليل من المنطق لمن تبقى لديه شيء منه، سيعرف إن السيدة ماغي فرح تحاول استخدام نفس اللفظ الغائم الذي يستخدمه من لحس الغيب عقولهم، فتقول : إن العلماء أثبتوا تأثير الكواكب على البشر، فتجعلهم يتحاربون أو يتصالحون، يربحون أموالا أو يخسرون. ينفضحون ويفضحون. تجعلهم يتلوثون بالحب، أو ينهمكون بالكراهية. ترى عن أي علماء تتحدث سيدة الكواكب؟ وأي علوم وماذا كان بن فرناس سيقول لماغي وأخواتها لو انه شاهد حفلة الزار التي تساهم فيها محطات الدجل العربية. ترى ماذا يعني ما يلي؟ وهنا بعض من رؤية مايك فغالي لما سيحدث سنة 2010 منقولة عن موقع التيار الوطني الحر.
(سنة الظواهر الغريبة) هل توجد سنة بلا ظواهر غريبة؟ وهل هناك أغرب من ظاهرة فغالي.
(خضة في القصر الجمهوري) بدون تعليق.
( لبنان سيكون غارقا في شبه حرب اقليمية) متى لم يكن لبنان غارقا، أما شبه إقليمية فجديدة.
( شاب فلسطيني يخترق عالم الإقتصاد ويلقب بعبد الناصر الجديد) الأخ فغالي 'مفكر عبد الناصر' وزير اقتصاد مصري سابق.
(اسرائيل: 'يومك قريب') الله يسمع منك وعندها سأكون أول المؤمنين بك.
(خضة في القضاء) والقدر.
(الأرض تتراقص تباعاً حول العالم ) الله يرحم غاليليو.
( البحر رقصته موجعة) هذه الجملة لو سمعها نوستراداموس لاعتزل التنبؤ.
كل ما حصر بين قوسين هو من اجتهادات المتصالح مع نفسه ولكن يبقى لدي تساؤل يحز في نفسي يحيرني فعلا، ترى ماذا يعني مايك بكلمة 'خضة'.
''
بن فرناس والبنتريت
ت
فجأة عاد حلم بن فرناس الأول ليكون خبر أول في نشرات الأخبار.
وبات علينا نحن معشر المشاهدين أن نصدق أن عمر عبد المطلب ابن المصرفي المقتدر فاروق عبد المطلب، حاول تفجير طائرة أمريكية ولكنه باء بالفشل، المتابع في تفاصيل القنبلة الخفية والقصة التي روجت يبدو أنه لن ينتبه إلى حجم التناقض في بنائها. وبينما الفضائيات العربية تردد كببغاء نجيب ما تقوله 'السي أن أن' و'الفوكس نيوز' و'رويترز'. تحجب أي منطق لاخفاء القنبلة المزعومة والمواد الكيماوية التي استطاع الأرهابي عمر تمريرها. من مطار (شيبرول) في امستردام الذي يعتبر أكثر المطارات تشددا في الاجراءات الأمنية للمسافرين إلى أمريكا، وخاصة إنه يستطيع السفر من أي مطار أخر مخفيا المادة المتفجرة مرة في بطانة سترته في أحد التقارير ولكن ربما اختار امستردام لشهرتها في بيع الحشيش داخل المقاهي.
فكل ما ركب من الحكاية لا يعدو كونه شطحات محشش.
بينما أكدت 'السي أن أن' اخفاءها في ثيابه الداخلية وحددت إنها 80 غراما من مادة (البنتريت) لاحظوا اسم المادة الغريب الذي لم أستطع بعد أن هدرت ست ساعات بالبحث عن مكوناته وسؤال صديقي الكيميائي عنها أن نجد لها ذكرا قبل محاولة التفجير المزعومة. ونقل عن بعض الصحف الفرنسية أنها مادة (تي أي تي بي) المكونة من البنزين والأزوت ونترات من ستة عناصر قلوية مختلفة ويقال إنه أخفاها عند فخذه الأيمن، وأخرى إنها في حذائه، ثم حاول وهو جالس على الكرسي بين الركاب إشعالها فوق ديترويت بعد تحليق أكثر من 9 ساعات وديترويت هي المدينة التي تحوي أكبر تجمع للجالية العربية المسلمة، ولكن الركاب الشجعان في رواية - أو المضيفة الشجاعة في رواية أخرى - اشتمت رائحة الدخان الصادر من عود الثقاب فانقضت أو انقضوا على عمر وأسروه قبل أن يفجر الصاعق المخفي. ولولا غباء المهندس عمر (يعني لو أنه استخدم التواليت!) واشعل الصاعق بهدوء في الحمام، وقوة حاسة شم المضيفة لكانت كارثة محققة هبطت من السماء على مدينة أمريكية.
وبعد أن تجتاز الاخبار والتقارير الأخبارية بسرعة، كل هذه التفاصيل غير المهمة، تركز على ثلاثة أشياء.
إن عمر ابن عائلة ثرية درس الهندسة في بريطانيا والثاني وهو الاهم إنه تلقى تدريبات مكثفة وجندته القاعدة في بلد عربي يدعى اليمن السعيد، والثالث أن أجراءات الأمن والسلامة عادت إلى ما قبل مجيء أوباما وفي نفس اليوم بدأ باستخدام أجهزة المسح والتعرية التي لم يسمح سابقا بوضعها في المطارات نظرا لتكلفتها العالية (مليون دولار للجهاز)، وانتهاكها للخصوصية. وكلا الأمرين صارا غير قابلين للاعتراض.
والنتيجة أن القوات الأمريكية في طريقها لليمن، للقضاء على الحوثيين، وإنقاذ نظام فاسد آخر من الانهيار وخنق باب المندب اكمالا لجدران الفولاذ والعزل والتضييق والحصار على إيران وحلفائها.
والنتيجة الأخطر طي وعود إوباما باغلاق غونتانامو وإعادته إلى الواقع بعد أن أثمل الناس بشمبانيا التفاؤل والبلاغة الفارغة،ونعود تماما لعصر بوش السيئ الذكر، بكل المقاييس ولكن بصحبة رئيس لطيف مهضوم أسود البشرة ضحك على سكان الأرض ببضع خطابات فارغة.
الخطير بالنتائج هو إعادة إرضاخ المواطنين الامريكيين والأوروبيين بإنتاج وترويج الترويع، فليس هناك من فكرة تحقق مبتغاها للإخضاع، وتضلل الجموع، بقوة فكرة الاخضاع عبر التخويف.
وهنا يبدو إعلامنا الفضائي المحترف والإرضي المنحرف لا حول له، مشاركا بهذا التسويق لما يعد من قادم الأهوال على المنطقة، وبطبع أمام هكذا تلفيق واستغباء جمعي يجب الاعتذار من مايك فغالي وماغي فرح ومن شابههم، فهذيانهم المغموس بالسخف والوهم يبدو أقرب للتصديق من هول الست تهم التي وجهتها محكمة امريكية للأرهابي اللئيم، بينها محاولة استخدام سلاح للدمار الشامل. عن طريق القنبلة التي أخفاها في ملابسه كانت تحتوي على مادتي 'بي.اي.تي.ان' و 'تي.ايه.تي.بي' شديدتي الانفجار، بالإضافة إلى مواد أخرى.
بالمناسبة أين ذهبت مادة ( البنتريت) لابد وأن جدنا ابن فرناس لا يعرف الأجابة. 

 


المصدر: فادي عزام - القدس العربي

January 18th, 2010 - 07:19 AM بوكمارك