

شوارع دمشق تعج بالمتسولين ولادار تأويهم

بينما ينشغل الجميع في سوريا بمتابعة ما يحدث في البلاد بقلق، نجد أموراً كثيرة تغيرت في الشهور القليلة المنصرمة. ووسط صخب هذا التغيير انتشر مئات الأطفال المتسولين في الشوارع وقريباً من إشارات المرور غير أبهين بالشرطة.
صورة لا يختلف اثنان على أنها باتت تترسخ في شوارع دمشق وريفها، وخاصة في الأماكن المزدحمة والمناطق السياحية، أبطالها أطفال ونساء وشيوخ بعضهم دفعتهم الحاجة للتسول والآخرون امتهنوا العمل به من خلال استغلال تعاطف الناس معهم.
تعد ظاهرة التسول ظاهرة اجتماعية خطيرة وغير حضارية، وهي ما تعرف بأنها سد حاجات البشر دون اللجوء للعمل وطلب المعونة من الآخرين عوضاً عن العمل بطرق وأساليب مختلفة. وتنتشر هذه الظاهرة بين شرائح المجتمع الفقيرة والمتوسطة، ولا تقتصر على الرجال فحسب بل تشمل النساء والأطفال والعجزة والمعوقين. كما أنها تنتشر في كافة دول العالم، ولكن بنسب متفاوتة. ولعل المتأمل والباحث في هذه الظاهرة يلحظ أن التسول أصبح مهنة تمارس كحرفة لها فنونها وتنظيماتها وأساليبها الخاصة، وكما ثبت أن أكثر المتسولين الآن يتبعون لعصابات منظمة ومتخصصة، وهناك من يشغل النساء والأطفال والأحداث في عملية التسول.
وهذا مؤشر على تدهور وتراجع المجتمع والإنسان وانحطاط القيم والأخلاق في المجتمع، فالتسول له تأثيراته السلبية على المتسول ذاته وعلى المجتمع بشكل عام، ولاسيما في ظل استفحال هذه الظاهرة وتزايدها في مجتمعنا بشكل خطير بسبب الفقر والبؤس والبطالة والانحراف والجهل والمشكلات العائلية وانعدام الوعي الاجتماعي.
تعريف التسول:
هناك عدة تعاريف للتسول وجميعها تصف لنا الظاهرة بكل أبعادها.
التسول: هو مد الكف لطلب الإحسان من الناس أو عرض سلع للبيع بإلحاح، ويظهر في فترات الضيق الاقتصادي أو كارثة معينة أو يكون التسول بحكم التكوين حيث يكون هناك ميول كامنة في الشخص من الكسل والخمول والزهد في العمل وضعف الاكتراث بالقيم الأخلاقية.
وعقوبة التسول في القانون: (من كان له مورد أو كان يستطيع الحصول على مورد بالعمل، ولم يسع لذلك وطلب المعونة من الآخرين والغاية منها ممارسة التسول تحت عدة مسميات كانت عقوبته الحبس من شهر إلى ستة أشهر) وعلى الرغم من وجود هذا القانون الخاص بالتسول إلا أنه غير مفعّل وما يزال يُنظر إلى موضوع التسول على أنه مخالفة وليس جنحة أو جناية.
وبالعودة لتاريخ القوانين نجد مرسوماً في عام (1975) يقضي بإنشاء مكاتب لمكافحة التسول حسب حاجات المحافظات لها ودور لإعادة تأهيل المتسولين والمشردين، ومع ذلك لم ينهض لحد الآن أحد في محافظة دمشق وريفها لمكافحة تلك الظاهرة بينما نجد في بقية المحافظات مكاتب لمكافحة التسول تابعة للمحافظات وتحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
توصيف الظاهرة:
ترى الدكتورة ريمه الحجار مديرة الخدمات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن أحد الأسباب الرئيسية لانتشار التسول عدم وجود عقوبات رادعة من قبل القضاء بحق المتسولين بالإضافة إلى أن الفترة الماضية شهدت صدور أكثر من مرسوم عفو عن الجنح والجرائم شملت هذه الفئة، ومنهم الذين يعاملون كأحداث جانحين وفق القانون السوري. مما أدى إلى تفريغ دار تشغيل المتسولين والمتشردين والذين غالباً ما كانوا يحالون إليه في محاولة لإبعادهم عن الشارع وتزويدهم بمأوى وبرنامج إصلاحي يفترض أن ينتهي بإعادتهم إلى المدرسة، أو تعليمهم حرفة أو صنعة يكسبون منها العيش بما يمكنهم من اللحاق بمستقبلهم الضائع.
وتقدم مديرة الخدمات الاجتماعية ريمه الحجار توصيفاً لظاهرة التسول والجهات المعنية بالمكافحة والقضاء على تلك الظاهرة، فتقول: (يعتقد البعض أن مسؤولية مكافحة التسول تقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلا أن ذلك ليس صحيحاً. وأن الدور الذي تقوم به الوزارة يقتصر على إيواء المتسولين والمشردين الذين يتم إلقاء القبض عليهم وهم يتسولون في الشوارع من قبل عناصر وزارة الداخلية أو الشرطة السياحية، فهناك عدة وزارات مسؤولة عن مكافحة هذه الظاهرة بالإضافة لمسؤولية جمعيات المجتمع الأهلي والناس) وتضيف الدكتورة ريمه أن هذا التوزيع في المسؤوليات بين عدة جهات كان أحد أسباب انتشار المتسولين في الشوارع بهذا الشكل الكبير، وذلك بسبب ضعف التنسيق بين هذه الجهات والتي تشمل كل من وزارات العدل والداخلية والشؤون الاجتماعية بالإضافة إلى المحافظة.
وبالعودة إلى الدار الذي خصص لإعادة تأهيل المشردين والمتسولين في الكسوة والذي يعمل فيه أكثر من (28) موظفاً ما بين حراس ومراقبين وأخصائيين والذي أصبح خاوياً إلا من عدد من النزلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة ومن بينهم بعض أصحاب الإعاقات الذهنية، حيث تفتقر الدار إلى أدنى مقومات الإقامة فيها على الرغم من عقد الشركة الذي وقعته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مع جمعية شباب المستقبل التي لم تتقيد ببنود العقد الذي ينص على التأهيل والإرشاد والاعتناء بالنزلاء من النواحي النفسية والصحية والترفيهية ضمن الدار بالإضافة إلى تقديم برامج تعليمية بوجود أخصائيين اجتماعيين ودراسة الحالات الموجودة بينما كان اهتمام الجمعية منصباً في تشكيل الدوريات وجلب المتسولين إلى الدار فقط. بالإضافة إلى أن الجمعية كانت تستلم المخصصات المالية للدار إلا أنها كانت تقوم بعملية تقنين لذلك تم فسخ العقد معها.
وعلى الرغم من وجود عدة حرف في الدار مثل حرفة الخياطة والحلاقة إلا أنها غير مفعّلة بسبب عدم وجود معلمي الحرفة في الدار، وهو المخصص لهذه الغاية أي تشغيل المتسولين بتعليمهم حرفة ما لكي يتمكنوا من العمل بعد خروجهم.
لكن الدكتورة ريمه ترد: (عدم تفعيل هذه المهن بسبب قصر فترة وجود النزلاء في الدار وبالتالي لا يمكن خلال فترة قصيرة تدريبهم على مهنة معينة بسبب وجودهم من خلال مذكرات توقيف، ويتم إخلاء سبيلهم بعد فترة قصيرة).
إحصائيات وأرقام:
بحسب إحصائية أجرتها دار تشغيل المتسولين اعتُمد فيها على إحصائيات الدار لعام (2009) تبين أن عدد الموقوفين المتسولين من الرجال والنساء ومن بينهم الأحداث (1960) نزيلاً خلال العام (2009).
حيث أن حالات التكرار من خلال الاسم والكنية تشير إلى وجود (14) عائلة يتراوح عدد أفراد كل منها بين (20) إلى (25) فرداً وأماكن سكناهم وتواجدهم محدود على سبيل المثال في دمشق على طريق السيدة زينب في شارع علي الوحش وفي منطقة السبينة يوجد منطقة اسمها سبينة الغزال وفي جديدة عرطوز منطقة اسمها جديدة الفضل، حيث أن أغلب المتسولين يخرجون من هذه المناطق، وهذا يسهل آليات مكافحة
وتبين الإحصائية أن عدد الحالات التي تكررت (1822) حالة أي أن بنسبة التكرار هنا تشير إلى (93 %).
وأن عدد الحالات التي تكررت لعشر مرات (412) متسولاً، وعدد المكررين لخمس مرات (860) متسولاً والمتكررين لمرة واحدة (138) حالة.
وتُشير نسبة القرابة بين الموقوفين (1960) ما بين الأب والأم والأخ والأخت والعم والخالة وغير ذلك إلى (62 %) ونسبة من يعملون لصالح مجموعة أو أشخاص (32 %) ومعظمهم من الأحداث ذكور وإناث.
(40 %) من الحالات الموجودة حالياً في دمشق وضواحيها كانت قبل عام (2007) في محافظة حمص.
(56 %) من الحالات تحتال بالعاهات والإعاقة ممن تم توقيفهم والغالبية عند إشارات المرور.
مدة التوقيف:
(1601) نزيل تم توقيفهم من أسبوع إلى عشرة أيام.
(240) نزيلاً من عشرة أيام إلى خمسة عشر يوماً.
(110) نزلاء أقل من شهر.
(9) نزلاء من شهر إلى خمسة وأربعين يوماً ولسبب تشغيل قاصر والتحريض على التسول.
أشكال التسول:
التسول السافر الواضح أو الصريح، وهو منظم من قبل مجموعة لها مسؤول واحد يقوم بتوزيع المتسولين ضمن برنامج زمني ومكاني، ويقوم بمراقبتهم مقابل أجر يومي، وقد يكون الجميع أعضاء الشبكة من الأقارب أو من عائلة واحدة.
التسول المقنع: (بيع سلع رخيصة) مثال الأطفال الذين يقومون ببيع بعض أنواع العلكة أو مسح السيارات أو بيع الورود ويكون ذلك بإلحاح.
التسول الموسمي: في المناسبات والأعياد حيث يمارس البعض هذه الظاهرة في شهر رمضان والأعياد والمناسبات.
التسول العارض: وقد يكون لمرة واحدة نتيجة ظروف طارئة مثل شخص مقطوع في مكان معين أو فقد ما بحوزته من المال.
التسول الاحتيالي: كاستخدام وثائق (وثيقة معاق) أو نشرة طبية، أو التظاهر بإعاقة معينة مثل التسول على دراجة معاق أو إظهار بعض الحركات التي توحي بالمرض أو افتعال تشويه في أحد الأطراف أو في الوجه.
أسباب التسول:
إن للتسول عدة أسباب، كما يرى الباحث الاجتماعي محمد طالب مدير دار تشغيل المتسولين والمتشردين يأتي في مقدمتها الأسباب الاجتماعية كالتفكك الأسري من خلال وفاة أحد الوالدين أو الطلاق أو الأب الحاضر الغائب عن عائلته أو من خلال علاقة المتسول بالظروف المحيطة به مثل الظروف التي تدفع الطفل في سن مبكر إلى التسرب من المدرسة وتدني المستوى التعليمي للمتسول وأسرته والخلل في التنشئة الاجتماعية
بالإضافة إلى أن العامل الاقتصادي يؤثر على جميع أفراد الأسرة وتأثيره على نمو الشخصية، وقد يكون دخل الأسرة غير كاف لإشباع حاجات أفرادها من مأكل وملبس ومأوى مما يجعل منظم أفرادها يبحثون عن سبل للخروج من هذا الضغط وتحرير أفرادها من الحرمان بالانخراط في أعمال هامشية كبائع سلع رخيصة أو التسول في الشوارع.
كما أن البطالة وقلة دخل الفرد أدت إلى الهجرة من الريف إلى المدن وصاحب ذلك تمركز التسول في المدن الكبرى والضواحي القريبة منها وذلك لعدة أسباب أولا التقدم الصناعي والتجاري في المدينة وثانياً اتساع أفاق التجول في المدينة.
تاريخياً كانت ظاهرة التسول مقرونة بالفقر والاحتياج، وكانت حكراً على فئة معينة من الفقراء والمحتاجين الذين وجدوا أنفسهم على هامش الحياة لا معيل لهم. أما الآن فقد اتسعت كثيراً وأخذت أساليب متنوعة ومما لا شك فيه بأن المجتمع بأفراده ومؤسساته يتحمل نتيجة تزايد المتسولين والمشردين، وينعكس ذلك على الاستقرار الاقتصادي والثقافي، فيصبح المتسول ضحية الإجرام من السرقات والمخدرات والدعارة، وهو بلا وعي وبلا هدف، وهذا يؤدي إلى هدم الكيان الاجتماعي.
مخاطر ظاهرة التسول:
إن ترك المتسولين من دون مراقبة ومكافحة من قبل الجهات المعنية يعني استنفاذ رصيد المجتمع من القوى العاملة بطريقة هامشية يعتمد فيه قسم من الناس على الآخرين، ويتحولون إلى مستهلكين دائمين وإنتاج جانحين ومجرمين في المستقبل بسبب انتقال عدوى الجريمة إليهم كنتيجة لتلقي هؤلاء الأطفال قيمهم وعاداتهم من الشارع بالإضافة إلى الصورة السيئة للمجتمع الذي تستفحل فيه هذه الظاهرة.
آليات مكافحة التسول:
1 - الرقابة من خلال وضع إجراءات وقائية تضمن عدم التشبيك مع عصابات التسول وفرض عقوبات صارمة على من يثبت تورطه بذلك وتنويع جهات المكافحة التسول لتشمل كل منطقة على حدة وفي كافة الدوائر الإدارية من شرطة المنطقة أو الناحية أو السياحية بحيث تشارك جميع الجهات المعنية في الدولة.
2 - الإحالة إلى القضاء وذلك بتفعيل قانون العقوبات وخاصة المواد (596/604) الخاص بالتسول بالإضافة إلى تفعيل قانون الإحداث رقم (18) لعام (1974) بتسليم الحدث المتسول إلى جمعية مختصة وتشديد العقوبات في حال التكرار وتضمين ولي الحدث الرسوم والغرامات.
3 - دور الحكومة من خلال الوزارات التالية:
وزارة الداخلية من خلال تسيير دوريات راجلة والتأكيد على الشرطة المجتمعية، وزارة السياحة من خلال وجود دوريات في الأماكن السياحية، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من خلال تفعيل دور الرعاية ودور تشغيل المتسولين وإمكانية تعليمهم بعض الحرف الموجودة في الدار خلال فترة وجودهم فيها.
بالإضافة إلى دور الإعلام من خلال برامج توعية وإدارة مكافحة الاتجار بالأشخاص.
4 - التأكيد على دور الجمعيات الخيرية من خلال تقديم المعونات للأُسر المحتاجة ومحاولة إيجاد عمل بالتعاقد مع الأشخاص الراغبين في العمل والمساهمة في تقديم الخدمات في مكاتب الخدمة الاجتماعية وتفعيل دورها في الإحياء الشعبية.
بعد معرفة مسؤوليات كل تلك الأطراف المعنية بالتسول ومكافحته وبالاطلاع على التشريعات الناظمة له يبدو وأن مكافحة التسول تأتي في آخر اهتمامات هذه الجهات، حيث تصطدم المكافحة بعدم توفر الآليات اللازمة لها، وإن تمت على نطاق ضيق فلا توجد برامج وآليات لإعادة تأهيل المتسولين خاصة أن الأحكام القضائية لا تأتي بصالح برامج التأهيل حيث يوقف المتسول لفترة بسيطة، والنتيجة هي تنامي ظاهرة التسول والتشرد وكثرة عصابات تشغيل الأطفال واستغلال النساء والمعوقين، وما ينجم عن ذلك من مشكلات اجتماعية تؤدي إلى انحراف الأطفال مستقبلاً وسلوكهم في طرق غير سوية.
المصدر: أبيض وأسود
October 29th, 2011 - 03:13 PM

أحداث طرابلس وسياسة النأي بالنفس




















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.

سميرة
عند تقاطع مشفى العين و الاذن عند اشارة معهد باسل الاسد ( اللاييك ) تعي يا شرطة و شوفي الاولاد شلون مكومين