الوحيد المهاجر المبعد عن الوطن سيرافقه شعور بالاغتراب لن يتلاشى حتى تلامس قدميه أرض الوطن، حتى يتذوق طعم العودة، ويشم رائحة الشجر، شعوراً بالوحدة لن يفارقه طالما هو بعيد، حتى ولو كان بين جيرانه وخلانه وأصدقائه الذين هاجروا معه، الذين اضطرتهم ظروف الحرب للمغادرة كما اضطرته، ولكن في رمضان تصبح الوحدة أشد ألما وذكريات العائلة التي فقدت أحد أبنائها أشد إلحاحا، لتلاحق صورهم وهم ملتفون حول المائدة الرمضانية في أوطانهم كل أحاديثهم، وتغزو كل أطباقهم، وتشارك كل كؤوسهم وتجعل من المائدة الرمضانية ومكوناتها كتباً وقصصا ُتسرد.
كلما جلسنا لنأكل في رمضان أتذكره، بكت أم أحمد، احد النساء العراقيات التي فارق ابنها الحياة في أوائل العام الماضي، وحاولت أن تكمل متجاوزة أحزانها، لازال صوت ضحكته لا يغادر ذاكرتها، كان ينام كثيراً في رمضان ولكنه قبل أن يبدأ الآذان، كان يهب لمساعدتي في تحضير الطعام، يقف إلى جانبي طوال الوقت وأنا أضع الأطعمة وأحضر السفرة الرمضانية، أفقتده وأفتقد روحه المرحة، يحاصرني الشوق إليه في رمضان، فلا أجهز شيئا من الأطعمة التي كان يحبها ويطلبها.
كثيرة هي السنوات التي قضاها بعض العراقيين في سوريا، رمضان تلوى الأخر ينتظرون فيه العودة، ولكن تفجيراً تلوى الأخر يبعد الفكرة لدى الكثيرين، ورمضان تلوى الأخر تزداد التفجيرات ويزداد عدد الضحايا وتكثر الحسرات.
العراقيون هنا يفطرون ليس فقط خارج منازلهم، بل يفطرون خارج أوطانهم، خارج مدنهم وقراهم...عائلة عراقية أخرى قابلناها في جرمانا، تأتي بكل أقربائها في رمضان فيصبح العم والخال والعمة والخالة ضيوف شهر كامل، يطبخون خلال هذا الشهر كل ما يخطر في بال الجميع يحضرون الاطباق الرمضانية الشهية ويستعيدون ذكرياتهم في العراق، ويتألمون لمن فقدوا من أشخاص، فهذه العائلة فقدت شاباً وعروسه وجدهم وخمسة شباب بعمر الورد وثلاث أطفال، معظمهم ُقتل في رمضان، لذا يجتمعون في رمضان ليتناسوا من فقدوا و ذلك بتذكرهم، يطبخون الدولمة وكبة الحامض والقمية، الدولمة كان يحبها محمد والقيمة كانت ترغبها عائشة، والقيمة أكلة الجميع المفضلة حسب ما تذكر الصبية الموجودة في المنزل والتي حدثتنا بهذه التفاصيل، إن بعض البهارات يحملها معهم الأقارب من البصرة حتى لا تختلف عليهم الطعوم أو يتغير المذاق، ليعيشوا رمضانا سوريا بنكهة عراقية.
سيدة اخرى أتت من العراق إلى سوريا وحدها وهي تعيش منذ سنوات وحدها، بعد ان اختفى زوجها في بداية الغزو الأمريكي، زوجها التي لم  تنتجب منه  طفلاً، فهي لا تعرف إذا كان قد توفي...قد اختطف...اعتقل، هذه السيدة التي رفضت حتى ان نذكر اسمها تمضي أيامها في رمضان كما في غيره من الأشهر، وحيدة حزينة رافعة يداها للسماء راجية عودة زوجها، وفي رمضان ترفض دعوة أي قريب أو جار أو صديق على الإفطار، فهي تجلس على المائدة الرمضانية وتضع صحناً لها وتنتظر موعد الآذان، فعندما يبدأ الأذان بالله أكبر تجهش البكاء عالياً حتى ينتهي، تحضر منذ أتت إلى سوريا في كل رمضان الاطعمة التي كان زوجها المفقود يحبها، حتى تلك التي لم  تكن تطبخها في أيام زوجهما التي استمرت 11 سنة، تطبخها الآن لانها يحبها.
في جرمانا سنجد قصص النازحين العراقيين وذكريات حزينة في رمضان ولكنها لاتزال حديثة العهد، إذا ما قورنت بقصص الفلسطينيين الذين مضى على وجودهم خارج وطنهم وقراهم ومدنهم سنوات طويلة، وكما قال أحدهم (نحن لم نعد نتذكر أقاربنا الذين فقدناهم في الحرب قبل أن نأتي إلى هنا، ففي كل رمضان حرب جديدة وأعزاء جدد يموتون، حسرتنا في رمضان هي كيف يمضي هذا الشهر الفضيل على أهلنا وأحبابنا).

 


المصدر: داماس بوست

August 24th, 2010 - 10:32 AM بوكمارك