أجرت جامعة دمشق بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وضمن مسعاها لافتتاح مركز لــ"لتوجيه المهني"، مسحاً شاملاً لعينة من طلاب الجامعة بهدف الحصول على معلومات تفصيلية عن ماهية توقعاتهم، وإلى حد ما، الجهات الموظفة المستقبلية لهم، من مركز توجيه مهني جامعي، وبشكل خاص لتحديد الخدمات التي يعتبرها الطلاب، كعاملين مستقبليين، وتلك التي يراها أرباب العمل ضرورية لتسهيل تحول الطلاب من الدراسة الجامعية إلى سوق العمل، وما المتطلبات والقدرات اللازمة لتحقيق ذلك.
وقد تم إعداد نموذجين من الأسئلة. النموذج الأول موجه لطلاب الجامعة، والثاني موجه للشركات والمؤسسات في البيئة المحيطة بالجامعة. وقد شارك في الدراسة 194 طالبا وطالبة من عشرة حقول دراسية مختلفة شملت الاقتصاد والهندسة المدنية والعمارة والهندسة المعلوماتية والهندسة الميكانيكية والكهربائية والتربية وطب الأسنان واللغة الإنكليزية وعلم الاجتماع والآثار وقد سعى الباحثون أثناء عملية المسح لاستفتاء طلاب من حقول دراسية متنوعة لمراعاة الاختلافات المفترضة بين الاختصاصات العلمية المختلفة (كالفروق الكائنة بين العلوم الاجتماعية والهندسية).
قسّم الطلاب المستفتون حسب اختصاصاتهم إلى أربع مجموعات هي مجموعة العلوم الاجتماعية، والعلوم الاقتصادية، والعلوم الهندسية، والعلوم التربوية. وقد جرى التركيز على استفتاء طلاب السنوات الأخيرة حيث إنهم يمثلون المجموعة المستهدفة من مركز التوجيه المهني.
وقد أظهرت الدراسة نتائج مثيرة للاهتمام لا بد للجامعة أن تضعها في الحسبان عند وضع خطط ربطها بالمجتمع وتسهيل اندماج خريجيها بسوق العمل.
فعند سؤال الطلاب عن نوع العمل الذي يتطلعون إليه بعد التخرج، أجاب 12% منهم فقط إنهم ينوون تأسيس عمل خاص بهم، بينما أعرب 19% من الطلاب المستفتين عن رغبتهم في السفر للعمل في الخارج. كما أعرب عدد ملحوظ منهم عن تطلعهم للعمل لدى القطاع العام والقطاع الخاص، بينما أعرب 36% منهم عن رغبتهم بمتابعة الدراسات العليا. ومن اللافت للنظر أن أغلبية الذين أبدوا رغبتهم في تأسيس عمل خاص بهم ينتمون إلى العلوم الهندسية. وكذلك هي الحال بالنسبة للذين يودون متابعة الدراسات العليا. على حين أن الأغلبية العظمى من الذين يتطلعون للعمل لدى القطاع العام (التوظيف في الدولة) ينتمون إلى العلوم التربوية وهو خيار منطقي بالنسبة لخريجي كليات التربية الذين ينوون الالتحاق بسلك التعليم. واللافت للنظر النسبة الكبيرة من الطلاب الذين يودون متابعة الدراسات العليا ربما لشعورهم أن حصولهم على تأهيل أعلى يزيد من فرص عملهم ويحسنها.
ولدى سؤال الطلاب عن مدى استعدادهم لدخول سوق العمل، أجاب 14% منهم إنهم يشعرون بأنهم مهيؤون بشكل جيد جداً، و44% بشكل حسن، و34% غير مهيئين بشكل مناسب، و8% مهيؤون بشكل ضعيف لدخول سوق العمل. وتشير هذه الإحصائيات بوضوح إلى مدى الحاجة لمركز توجيه مهني في الجامعة. ومن المفيد جداً إعادة طرح السؤال نفسه مستقبلاً على العينة نفسها لبيان إذا ما كان الطلاب ما زالوا عند رأيهم بعد دخولهم فعلاً الحياة المهنية.
وعند سؤال الطلاب عن مدى حاجتهم للدعم من أجل دخولهم سوق العمل، أعرب 94% منهم عن حاجتهم لهذا الدعم (26% عن حاجتهم الملحة، و41% عن حاجة كبيرة، و27% عن حاجة قليلة)، على حين نفى 6% حاجتهم لأي دعم. وهذا يؤكد مرة أخرى الحاجة إلى تقديم الدعم للطلاب من نصح وتوجيه ومهارات إضافية لتهيئتهم تهيئة أفضل لمواجهة متطلبات العمل. واللافت أن 13% من طلاب العلوم التربوية (المعلمون المستقبليون) أعربوا عن عدم حاجتهم لأي دعم و8% عن حاجتهم لدعم قليل ربما لأن الدخول إلى سلك التعليم يتم بشكل منظم وعبر مسابقات تجريها وزارة التربية ولا يحتاج إلى توجيه وإرشاد وظيفي.
ولدى سؤال الطلاب عن مدى أهمية دعم الجامعة لهم في حصولهم على خبرات عملية من أجل تهيئتهم للحصول على عمل، أجاب 79% منهم إن ذلك مهم جداً، و10% إن ذلك مهم إلى حد ما. واللافت للنظر أن الأغلبية الساحقة (97%) من طلاب العلوم الهندسية أكدوا أهمية دعم الجامعة للطالب كي يحصل على خبرات عملية.
ولدى سؤال الجهات الموظفة للخريجين عن الفعاليات التي يفضلون الانخراط بها لمساعدة الجامعة على تحسين قابلية توظيف خرجيها، اختار 18% منهم إجراء دورات تدريبية عملية وورشات عمل للطلاب، و17% تقديم استشارات وإرشادات وظيفية للطلاب، و13% تقديم عروض تعطي شرحاً تفصيلياً عن عالم الأعمال.
وعند سؤال الطلاب عن أكثر ما يثير قلقهم عندما يفكرون بدخول سوق العمل، اختار الأغلبية العظمى منهم «الفجوة بين المعلومات النظرية والواقع»، تلاها «قلة الخبرة العملية»، ثم «ضآلة فرص العمل المتوافرة»، «فعدم امتلاك المهارات اللازمة». لكن طلاب العلوم الاجتماعية أولوا «ضآلة فرص العمل المتوافرة» الأولوية.
وعندما سؤال الطلاب عن تقييمهم لفائدة عدد من الفعاليات لدخول سوق العمل، كان «لامتلاك الخبرة العملية»، و«اكتساب الكفاءات الرئيسية» أكبر الأهمية في نظرهم. وقد تبعها مباشرة «التواصل مع الجهات الموظفة للخريجين بغية الحصول على معلومات أعمق عن عالم الأعمال».
وفي السياق نفسه، صنف الطلاب «الخبرة العملية» في أعلى سلّم المهارات والخصائص اللازمة لدخول سوق العمل، تبعها «المهارات المكتسبة» كمهارات التواصل والإلمام بلغة أجنبية. بينما أعطوا «المعرفة التخصصية» و«حقل الدراسة» المرتبتين الخامسة والسادسة. لكن اللافت للنظر أن أرباب العمل أعطوا تصنيفاً مغايراً بعض الشيء احتلت فيه «المهارات المكتسبة» المرتبة الأولى، تلاها «الإلمام بلغة أجنبية»، ثم «شخصية طالب العمل». على حين أعطوا «لحقل المعرفة» و«للخبرة العملية» و«المعرفة التخصصية» المرتبات الرابعة والخامسة والسادسة على التوالي من حيث الأهمية.
ولدى سؤال الطلاب عن الكفاءات التي يعتقدون أنها الأهم أعطوا «القدرة على العمل المنتج ضمن فريق» التصنيف الأول، تلاه «القدرة على استخدام تقنيات المعلومات الحديثة استخداماً فعالاً»، ثم «القدرة على الفهم والكتابة بلغة أجنبية» و«القدرة على التخطيط المستقبلي وإدارة الوقت». وهي الكفاءات التي أعربوا عن أنهم لم يتمكنوا من تطويرها بشكل كاف خلال دراستهم الجامعية.
ولدى سؤال الجهات الموظفة للخريجين عن المهارات الشخصية والكفاءات التي يجب أن يمتلكها الخريجون لينجحوا في العمل في مؤسساتهم، أعطوا «القدرة على الفهم والكتابة بلغة أجنبية» الترتيب الأول تلاه «القدرة على استخدام تقنيات المعلومات الحديثة استخداماً فعالاً» ثم «القدرة على العمل الفعال» و«القدرة على العمل المنتج ضمن فريق».
يتضح مما سبق أنه ما زال على الجامعة أن تبذل جهوداً كبيرة من أجل ردم الهوة بين التعليم الأكاديمي الذي توفّره وسوق العمل، سواء أكان ذلك عن طريق إرشاد الطلاب والخريجين وتوجيههم لفرص العمل المتوافرة وكيفية الحصول عليها، أم عن طريق تزويدهم بالمهارات اللازمة لدخولهم سوق العمل وتعزيز قدرتهم التنافسية فيه كمهارات التواصل، والعمل ضمن فريق، والمهارات اللغوية وغيرها. وهذا من صلب مهام مركز التوجيه المهني الذي أحدث العام الماضي في جامعة دمشق.
كما أظهرت الدراسة الحاجة الكبيرة لمناهج دراسية غنية بالجانب التطبيقي لتنمية الخبرات العملية، لدى الطلاب وهذا ما تسعى الجامعة لتحقيقه.
كذلك لا بد أن تضاعف الجامعة جهودها في تشجيع ريادة الأعمال لدى خريجيها وخاصة أن 12% منهم فقط أعربوا عن نيتهم تأسيس عمل خاص بهم بعد التخرج. ومما لاشك فيه أن التعاون القائم حالياً بين الجامعة والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية في تأسيس حاضنة تقانة المعلومات والاتصالات، وبين الجامعة والأمانة السورية للتنمية في إطار مشروع «شباب» الوطني لإدراج برنامج «تعرّف إلى عالم الأعمال» ضمن مناهج الجامعة التعليمية والذي يهدف بشكل أساسي إلى تطوير المهارات الريادية لدى الشباب وتشجيعهم على تأسيس أعمالهم الخاصة، يعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه لكن لا بد من البناء عليها والتوسع فيها، وهو ما تطمح الجامعة لتحقيقه.

 

 



August 15th, 2010 - 12:00 PM بوكمارك