أريد ابني طبيباً أو مهندساً.. مستقبل الطالب العلمي.. الأبناء يدرسون و الأهل يقرِّرون!!
مع نهاية كلِّ مرحلة تعليمية، يجد الطالب نفسه أمام خيارات كثيرة للانتقال إلى المرحلة التعليمية اللاحقة، من ناحية الكلية والاختصاص، وحتى في نوعية الفرع (أدبي- علمي- صناعي- تجاري).. ولكن الخيار الأهم للطالب خلال مسيرته التعليمية، هو موافقة، بل ضغط الأهل، الذين يجدون أنَّ تحديد مستقبل أطفالهم واختيار مجال دراستهم من أبرز اختصاصاتهم، ضاربين بعرض الحائط رغبة أبنائهم أو ميولهم أو حتى قدراتهم على التحصيل العلمي.
فإذا كانت رحلة الخيارات تبدأ بالاختيار بين الفرعين العلمي والأدبي، فقلما نرى عائلة تشجِّع ابنها على دراسة الفرع الأدبي لأسباب تتعلَّق أحياناً بنظرة المجتمع إلى هذا الفرع و»برستيج» العائلة.. ليكون بعد ذلك هدف العائلة أو طموحها بالنسبة إلى ابنها الذي يُحمَّل  فوق طاقته، هو دراسة فروع معيَّنة، تبدأ بالطب وتنتهي بأحلام لا يعرفها غير الأهل.
 
 
 حلب.. اختيار مجال الدراسة يخضع للـ«برستيج»..
«الحمد لله بكالوريا علمي»، هي العبارة التي يردِّدها كثيرٌ من الأسر المتحضِّرة لخوض معركة الشهادة الثانوية مع أبنائها، عند السؤال عن المرحلة الدراسية التي وصلوا إليها، وكأنها ميزة أو خاصية تدلُّ على ذكاء واجتهاد ابنهم أو ابنتهم. في حين تُقابل عبارة «سجَّل أدبي» بعبارات مواسية، كالقول «يالله بسيطة»، أو «سيدي مو مشكلة»، وكأنّ الفرع الأدبي ومَن ينخرطون في صفوفه، أقل شأناً أو علماً أو ذكاءً..
وبشكل عام، محافظة حلب لا تختلف كثيراً عن غيرها من المحافظات التي يُفضِّل أبناؤها أن ينالوا شرف الدراسة في الفروع العلمية، مبتعدين عن التفكير حتى في دخول أيِّ فرع أدبي، ما يجعل موضوع اختيار الفرع همَّاً عائلياً بحتاً لا بدَّ من الاحتكام فيه إلى طاولة الحوار والمفاوضات، للوصول إلى الاتفاق النهائي الذي يُفَضَّل- على الرغم من ديمقراطية العملية المتَّبعة- أن يُفضي إلى اختيار وحيد؛ هو الفرع العلمي..
Image وتتعدَّد الآراء حول هذا الاندفاع وهذه الرغبة القوية في اختيار الفروع العلمية، فبعضهم يجد أنَّ الفروع العلمية تسمح للطالب بالعديد من الخيارات الدراسية، حتى وإن رَغِب في الانضمام إلى أحد الاختصاصات ذي الطابع الأدبي في نهاية الأمر، فمثلاً يستطيع طالب البكالوريا الفرع العلمي، اختيار- بحسب علاماته طبعاً- دراسة فروع الآداب (عربي- إنكليزي- فرنسي..)؛ أي أنه لن يكون مقيَّداً في مجالات محدَّدة، كما يحدث لدى طلاب الفرع الأدبي..
فيما ترى بعض الآراء الأخرى (ومعظمهم من دارسي الفرع الأدبي في الشهادة الثانوية) أنَّ الأمر لا يخرج عن نطاق الاهتمام بالمظاهر، أو ما يُعرف بالـ«برستيج»؛ فحسب رأيهم أنه، إن كان الطالب كسولاً أو غير مجتهد كفاية، فإنَّ اختياره الفرع العلمي يعني أنه يسعى لدخول كليات الطب أو الصيدلة أو فروع الهندسة المختلفة، حيث تبدأ الأحلام العائلية تتضخَّم بعيداً عن الواقع، فيما يُنظر إلى مَن اختار دراسة الفرع الأدبي على أنه طالب «بصِّيم» أو كسول وبسيط القدرة الذهنية، وأنه اختار هذا الفرع ابتعاداً أو هرباً من المواد العلمية والحسابية (رياضيات- فيزياء- كيمياء- علوم)، مع العلم بأنَّ نسبة كبيرة من طلبة الفرعين قد يلتقون في الجامعة تحت مظلة كلية الآداب أو حتى المعاهد والاختصاصات الأقل شأناً، بحسب تصنيفات المفاضلة التي قد لا تمتُّ للفروع العلمية بصلة..
لكن الإجماع، أو القاسم المشترك بين أصحاب الرأيين، هو الاتِّفاق على فكرة أنَّ الطالب بشكل عام ليس مَن يختار الفرع الذي يريد دراسته، بل إنَّ الفرع هو مَن يختاره، خاصة في ظلِّ الارتفاعات الصاروخية لمعدلات القبول عاماً بعد عام، وبالتالي إثبات خطأ الاعتقاد السائد بأنَّ طبيعة المحافظة قد تلعب دوراً في اختيار طبيعة الفرع، فحتى وإن كانت محافظة حلب تعدُّ عاصمة البلاد الصناعية والتجارية فهذا لا يعني في طبيعة الحال أنَّ طلابها يسعون للدخول إلى كلية الاقتصاد، أو هندسة الميكانيك، أو غيرهما من الفروع ذات الصلة..
خلاصة الكلام، أنه مازلنا- من أسف- بعيدين تماماً عن الحديث عن تحكُّم الطلاب في اختياراتهم ومصائرهم في دخول المجال الذين يحبُّونه، الأمر الذي يقلِّل بكلِّ تأكيد من حالات الإبداع أولاً، والجدية والتفاعل مع مهنة المستقبل ثانياً، ناهيك عن تلك الأمور التي لا تزال تعاني منها جامعاتنا؛ من حيث المناهج وطريقة التعاطي مع الطلبة التي تحدُّ من قدراتهم وطاقاتهم، ما يجعلهم يخرجون إلى سوق العمل وهمّهم الأول والأخير هو تقليب صفحات التقويم بانتظار آخر ورقة في الشهر لاستقبال منقذهم الأول والأخير؛ الراتب..
 
 
درعا.. التدخُّل لمصلحة الفروع المرموقة
يُلاحَظ في درعا إقبال لافت على العلم، وترى العائلات تتباهى حقاً بالمجموع العام الذي يجمعه أبناؤها، وبالفروع التي يدرسونها، لدرجةً وصلت إلى منافسات اجتماعية واضحة، وبإطار شريف ومتكافئ، لا يهمُّ فيه الحالة المادية التي يحاول بعضهم تطويعها لجمع أكبر قدر ممكن من العلامات، ففي أغلب السنوات كانت الدرجات الأولى لأبناء الفقراء. وهنا يمكن تسجيل أنَّ بعض العائلات تفضِّل أن يدرس أبناؤها فروعاً معيَّنة، وتراها تجبرهم على الدخول فيها، فعندما يكون الابن متفوِّقاً سرعان ما يوجِّهونه إلى دراسة الطب، من منطلق أنها المهنة الأرقى، ومن المهم أن يكون هناك طبيب في العائلة يجعل هذه العائلة لا تحتاج إلى الذهاب إلى المستشفيات والعيادات.  أما باقي الأسر، فتفضِّل فروعاً أخرى، وهنا تبرز الهندسة بفروعها؛ فطبقة المهندسين في درعا كبيرة للغاية، تبدأ من المدنية والمعمارية، وصولاً إلى الغذائية والبترولية، ويكاد يوجد مهندس في كلِّ بيت أو اثنان تقريباً. لكن المهنة الأكثر رغبةً في المحافظة، خاصةً بالنسبة إلى الفتيات، فهي التعليم، وعليه فإنَّ الكليات الأدبية، مثل الإنكليزي والفرنسي والأدب العربي والتاريخ، مرغوبة جداً لطلاب درعا. ويمكن بزيارة صغيرة إلى هذه الكليات الموجودة في دمشق ملاحظة أنَّ أغلبية طلابها من أبناء درعا. وما زاد الرغبة في تلك الفروع خلال السنوات الخمس الأخيرة، هو افتتاح فروع لها في درعا، باتت تُخرِّج العشرات منهم، إضافة إلى ما تحتويه المحافظة من معاهد متوسطة خاصة باللغات والموسيقا والرسم وغيرها.
 
 
الحسكة.. الأهالي أدرى بمصلحة أبنائهم.. والنفقات المادية هي الحكم

 لا يختلف اثنان على أنَّ قضية التعليم أصبحت الشغل الشاغل للعديد من شرائح المجتمع. لكن في محافظة الحسكة الوضع مختلف؛ فطبيعة المحافظة الزراعية وطبيعة المجتمع التي تختلف عن غيرها، إضافة إلى أنها من المحافظات التي يتمُّ إدراجها في كلِّ عام من المحافظات النامية تعليماً، أمور تلعب دوراً مهماً في نوعية الدراسة التي يقوم الطلبة باختيارها بين المفاصل التعليمية.
¶ في الريف.. الفرع الأدبي والعمل الزراعي متَّفقان
العديد من أهالي الريف الجزراوي يختارون لأبنائهم الدراسات الملتزمة منذ بداية الجلوس على المقاعد الدراسية، إيماناً منهم بأنَّ أبناء المنطقة لا بدَّ لهم من التعلُّق بعملهم الرئيس (الزراعة) إضافة إلى أنَّ الدراسات الملتزمة أصبحت أكثر ضماناً للمستقبل البعيد، ناهيك عن أنَّ هذه الدراسات تمكِّن أصحابها من مزاولة العمل الزراعي الذي يعدُّ عماد المنطقة اقتصادياً. كما أنَّ الدراسات الأدبية هي الدارجة في القرى والريف الحسكاوي، ولذلك لعدة أسباب؛ منها صعوبة المواد العلمية، إضافة إلى تكاليف تدريس هذه المواد التي لا تستطيع العائلة الريفية مجاراتها، كما أنَّ العديد من العائلات، ونتيجة إنجاب الكثير من الأطفال، تعمد إلى إيقافهم عن متابعة تعليمهم في مراحل دراسية معيَّنة، وذلك لمصلحة العمل الزراعي الذي يعمل فيه العديد من العائلات الريفية في المحافظة.
وإنَّ النظرة الدونية للفروع الأدبية في الريف متلاشية تماماً، وذلك لأنَّ البعد عن مراكز التعليم الرئيسة في المحافظة يجعل الدراسات الأدبية تأخذ الحيِّز الأكبر من تفكير الطلبة في الريف. وفي الوقت الحالي، وبعد افتتاح العديد من الكليات، اتَّجه العديد من العائلات إلى اختيار الدراسات المتوافرة في المحافظة، وذلك لقلّة التكاليف المادية لهذه الدراسات، حتى لو بقي أبناؤهم دون وظائف بعد التخرُّج.
¶ في المدينة.. دراسة الأبناء وسيلة للتفاخر والمنافسة بين العائلات
أما في المدينة، فالوضع مختلف تماماً، وذلك لأنَّ الدراسات العلمية تأخذ الحيّز الأكبر من تفكير العائلات، إلى أن وصلت حدَّ المنافسة بين العائلات، كما أنَّ اختيار الدراسات يقع على عاتق الأهل دون مشاورة الأبناء، وذلك لأنهم يعتبرون أنفسهم أصحاب تقرير المصير. وحقيقة الأمر، أنَّ العديد من العائلات، وخاصة النساء، تفخر بدراسات أبنائها، حتى لو اضطرَّها الأمر إلى إدخال أبنائها في الجامعات الخاصة والتكلُّف بمصاريف مالية زائدة.. حيث إنَّ أهالي المدينة ينظرون إلى الفروع الأدبية على أنها فروع ببغائية لا تعتمد على الفهم، وبالتالي من غير اللائق دراستها. ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث إنهم يعتبرون أنَّ الإجازات الجامعية الممنوحة من قبل الجامعات التي تمَّ افتتاحها في المحافظة أقل هيبة عن غيرها في المحافظات، لذلك يعمد أهالي المدينة إلى تسجيل أبنائهم في جامعات المحافظات الأخرى، حتى لو اضطرّهم الأمر إلى تكبُّد أعباء إضافية.
 
 
  حمص.. ثقافة المجتمع وطبيعة سوق العمل تفرضان الاختصاصات التعليمية

 محافظة حمص من المحافظات التي لا يختلف فيها دور الأهل عن بقية المحافظات في ما يتعلَّق بدفع الطالب إلى التسجيل في اختصاص قد لا يرغب فيه، ما يتسبَّب له في مشكلات مستقبلية. حيث أكَّدت نسبة كبيرة من طلاب جامعة البعث، بمختلف الاختصاصات، أنهم سجَّلوا في اختصاصاتهم بحسب رغبة الأهل وضغطهم للتسجيل في هذه الكلية أو تلك، خاصة في الكليات التي تؤمِّن المصدر المادي الجيد في المستقبل، وهو الأمر الذي جعل الطلاب، وحتى بعض الراغبين في اختصاصات أخرى، يرضون التسجيل في اختصاصات وكليات لا يرغبون فيها، ولكنها تؤمِّن لهم حياة مستقبلية جيدة من الناحية المادية، في ظلِّ توافر الوظائف الشاغرة، لأنَّ التسجيل في اختصاصات جديدة أو مجهولة المصير قد لا يرغب فيها السوق، كما يطلق عليها بعضهم، يشكِّل مغامرة لا تحمد عقباها، من ناحية تأمين فرصة عمل مناسبة. بينما اعتبر بعض الطلبة المسجِّلين في بعض الكليات الجديدة، أنَّ الأمر يتعلَّق بثقافة الأهل والمجتمع، الذي يعتبر مهنة الطب والهندسة والحقوق هي الطموح الذي يجب أن يسعى إليه كلُّ الطلاب، لأنَّ هذه المهن تؤمِّن مستقبلاً جيداً وسمعة اجتماعية عالية، على الرغم من أنَّ المجتمع بحاجة ماسّة إلى مهن واختصاصات تعليمية جديدة، حيث يحتاج إليها سوق العمل بشكل كبير، لذلك فإنَّ تغيير ثقافة المجتمع يحتاج إلى تضافر كافة الجهود، وخاصة من ناحية الإعلام وتسليط الضوء على مبدعين في اختصاصات باتت مطلوبة، مع ضرورة اتِّخاذ إجراءات من وزارة التعليم لتحديد آليات تفرض دخول كلّ طالب بحسب رغبته، وليس بحسب رغبة الأهل.
واستغرب كثير من أهالي الطلبة كيف سيقوم أبناؤهم بالتسجيل في اختصاصات جديدة رغم أنَّ الاختصاصات القديمة والمعروفة تجد صعوبة كبيرة في تأمين فرص عمل، لذلك يسعى الطالب للتسجيل غب الاختصاصات المعروفة، لتكون مهمّته في تأمين فرصة عمل بعد التخرُّج أسهل من حامل شهادة باختصاص جديد.
ومن الملاحظات في محافظة حمص، أنَّ التسجيل في الفرع العلمي أو الأدبي لا يختلف فيه دور الأهل عن التسجيل في اختصاصات الجامعة، وخاصة في هذه المرحلة العمرية التي يكون الطالب فيها غير قادر بشكل كبير على اتِّخاذ القرار، لذلك لفت بعضهم إلى ضرورة وجود آليات جديدة في نهاية مرحلة التعليم الأساسي، ليدخل الطالب الفرع الذي يناسبه، سواء كان علمياً أم أدبياً، من خلال اختبارات تؤكِّد رغبته في الاختصاص. ويُلاحَظ أنَّ للفرع الأدبي شعبية في حمص، على عكس بعض المحافظات، وخاصة من قبل الطالبات، والدليل أنَّ نسبة كبيرة من الطلاب والطالبات المتفوّقين في حمص مع نهاية كلِّ عام يحقِّقون العلامات التامة في الفرع الأدبي، مع وجود متميِّزين ومتفوّقين في الفرع العلمي. إذاً، الأمر ليس متعلِّقاً بالطالب والأهل فقط؛ بل إنَّ ثقافة المجتمع وطبيعة سوق العمل تفرض ذلك.
 
 
اللاذقية.. ما بين العلمي والأدبي.. فرص ضائعة وقدرات مهدورة.. فمَن المستفيد؟
لاتزال أغلب عائلات اللاذقية تتحكَّم في مصير أبنائها العلمي، وتفرض عليهم رأيها، بل وتحدِّد لهم خياراتهم الدراسية، أثناء التحضير للثانوية العامة، وحتى في اختيار الفرع الجامعي الذي يحدِّد مستقبل أبنائها المهني!.
وربما كان للأهل وجهة نظر، ولكن هذا لا يجيز لهم أبداً أن يفرضوا دراسة اختصاص بعينه، دون النظر إلى إمكانات أبنائهم، وميولهم وتوجُّهاتهم الفكرية!.. إذاً، القضية تتعلَّق بالإمكانات والقدرات والميول والرغبات والاهتمامات وتوجُّهات الطالب الفكرية، فمن غير المعقول أن نجبر طالباً على دراسة فرع لا يريده أو لا يحبّه أو لا يملك القدرة على دراسته؛ فقط لأنَّ أهله يريدون له أن يصبح طبيباً أو مهندساً ليرفع رأسهم عالياً أمام الناس. وهذا حق من حقوقهم الشرعية طبعاً، ولكن يجب عليهم معرفة قدرات أبنائهم أولاً ومن ثم تحديد مصائرهم بعقلانية، وبإمكان أيِّ إنسان مُجّد ومجتهد وناجح في حياته الدراسية والمهنية أن يرفع اسم عائلته عالياً، بل وعالياً جداً أيضاً.
ولم يقتصر تدخُّل الأهالي على هذا الحد فقط، بل امتدَّ ليشمل نظرتهم إلى الطالب الذي يدرس اختصاصاً لايرغبون فيه، كدراسة الجانب الأدبي من الثانوية العامة على سبيل المثال!!، فهم ينظرون إلى هذا الطالب بعين الازدراء، لأنَّ حلم كل عائلة أن يكون أحد أفرادها طبيباً، وذلك كي يحمل لقب (دكتور) ويحافظ على «برستيجها العلمي «أمام الناس، وهذا الكلام لا يقتصر حُكماً على محافظة اللاذقية، وإنما تلك النظرة «الدونية» للفرع الأدبي موجودة بشكل واضح لدى معظم العائلات اللاذقانية، فعندما يُسأل أحد الطلبة عن فرعه في الثانوية وتأتي الإجابة بأنه (أدبي) تبدأ علامات التعجب والاستفهام مترافقة بنظرات الاستهجان والاستخفاف بهذا الطالب الكسول الذي استسهل الدراسة وقرَّر دراسة الفرع الأدبي، لأنَّ النجاح فيه مضمون والحصول فيه على درجات مرتفعة لا يحتاج إلى بذل جهد كبير ومضاعف، كما هو الحال عند دراسة الفرع العلمي، الذي يحتاج إلى طلاب أذكياء و»دَريّسين» وفقاً لتلك النظرة القاصرة.. وهنا تكمن الطامة الكبرى.  وهنا لا يمكن تحديد سبب تلك النظرة من المجتمع اللاذقاني تجاه طلاب الأدبي؟، لاسيما أنَّ الجهد الذي يبذله طالب الأدبي هو الجهد ذاته الذي يبذله طالب العلمي، وكلا الفرعين يحتاجان إلى جِدّ واجتهاد وصبر وتعب، وسوق العمل يحتاج إلى كليهما.. أين الفارق إذاً؟.. هل من المفترض أن تتحوَّل اللاذقية بأكملها إلى أطباء ومهندسين من أجل إرضاء رغبات الأهالي ومن أجل اكتمال «البرستيج» العائلي!!.
 
وهنا لا يمكننا إنكار أنَّ خيارات الفرع العلمي أكبر وأوسع وتفتح مجالات متعدِّدة للطالب، ولا يمكن لنا أن نغفل أبداً أنَّ طبيعة محافظة اللاذقية (الزراعية والبحرية) فرضت اختصاصات علمية محدَّدة كالهندسة الزراعية والبحرية، ودراسات المعهد الحالي للبحوث البيئية والبحرية، حيث توجد في اللاذقية ثانوية خاصة بالدراسات البحرية، ولكن نذكر أنَّ القضيّة تتعلَّق بالميول والرغبات حتى لا يدفع الأهالي والأبناء الضريبة الغالية، فكم من عائلة أجبرت أبناءها وبناتها على دراسة الفرع العلمي عنوةً ودفعت لهم الغالي والرخيص خلال فترة الدراسة، ولكن بعد صدور النتائج الامتحانية دفعت تلك العائلات ثمناً مضاعفاً، بل وباهظاً جداً، بسبب سياسة الإجبار التي اتَّبعوها على أبنائهم الذين كانوا الخاسر الأكبر جرّاء خيارات آبائهم الخاطئة- رغم حسن نواياهم طبعاً- بسبب الدرجات المتدنّية التي حصلوا عليها والتي لا تؤهّلهم إلى شيءٍ أبداً، وأثبتت في الوقت نفسه فشل توجهات أهلهم الفكرية، وجعلت حلم «الدكترة المنشود» يتبخَّر أمام أعينهم وأعين أهاليهم. وهنا لا بدَّ من أن نتساءل: ما الذي جناه الأهالي من إجبار أبنائهم على دراسة فرع لا يحبُّونه؟.
 


المصدر: بلدنا

March 12th, 2011 - 08:17 AM بوكمارك