

ثلاث فتيات يعانين جور الأب والجيران يعجزون عن التدخل

قررت ثائرة ابنة الثمانية عشر ربيعا ألا تنظر وراءها هذه المرة، فهي لم تعد تقوى على كل هذه الظلم الذي يسومها إياه من يفترض به أن يكون الأكثر رحمة وحبا لها.. إنه والدها.... فامتلكت الجرأة أخيراً و صرخت بأعلى صوتها ( لن أعود إلى ذلك السجن ثانيةً .. أريد حلاً للمشكلة و إلا قتلت نفسي .. ) " ثائرة " لم تشتك عشيقأ لها، ولا زوجاً خائناً، و لا أخاً جاهلاً متسلطاً .. إنها تشتكي ( والدها ) – إذا كان فعلاً يستحق هذه الكلمة؟.
صقيع الثلج الذي أدما قدميها ذلك الصباح لم يمنعها من الوصول إلى مركز للشرطة الذي يبعد عن قريتها الصغيرة النائية في محافظة السويداء أكثر من ( 10 كم ) تقريباً لتخبرهم بأن ذلك الظلم بات أكبر من قدرتها على الاحتمال، فمنذ سنوات طويلة لم تنعم " ثائرة " مع شقيقتيها " ربا " و" عهد " بحنان الأم يوماً واحداً عندما أقدم والدهن على طلاق الأم بشكل تعسفي ليستبدلها بامرأة غريبة لا تعرف الحنان.
لقد حطّم أحلام الطفولة البريئة، وسرق الضحكة، و البريق من عيون بناته عندما عزلهنَّ في ركنٍ من الدار مظلماً لا يرى الشمس، ولا يصلح للدّواب. بل هو السجن ُ بعينه ليحول دون إرسالهنَّ للمدرسة و يحرمهنّ بذلك من حق التعليم
والد " ثائرة " لم يكن فقره مادياً .. بل كان فقير العقل و الحكمة و الضمير... و هل رجلُ بأنانيته يتقبل فكرة أن يقدم الطعام و الكساء لبناته دون مقابل..؟
الإجبار على العمل
ثلاث فتيات لم يختبرن الحياة بعد و قبل بلوغ أكبرهنّ ( العشر سنوات ) يطالبهن بثمن اللقمة ( المرة) التي عسى أن يحصلوا عليها مرة واحدة في اليوم، ليدفعهنَّ بذلك عنوةً إلى العمل خارج المنزل حتى و لو كان غير مشروع المهم أن يقدمّنَ له كل يوم المال.
لم يكن أحدً من الجيران يتجرأ على التدخل عند سماع صوت بكاءهنَّ و صراخهنَّ عندما كان ينهال عليهنَّ بالضرب المبرّح مستخدماً العصا أو الحزام الجلدي المؤلم ليجبرهنَّ على العمل إذا ما رفضت إحداهنَّ ذلك لسبب ما كما لو كنَّ دمى خشبية عديمة الإحساس و المشاعر، عل الرغم من أن كل من في الجوار كان يرى ويسمع ولكنهم كانوا يبقون صامتين!!.
و قَفنَ ساعاتٍ طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة ليعملنَ في قطف الثمار في الصيف. عملنَّ في تنظيف بيوت الميسورين من أهالي القرية و القرى المجاورة و استحملنَ بردَ الشتاء عملنَ في تصنيع لوازم للملابس الجاهزة مقابل أجورٍ زهيدة لا تستحق العناء.
" ثائرة " فقدت حنان أمّها كما فقدت الكثير الكثير من الحقوق التي لم تستطع الدفاع عنها و المطالبة بها، و لكنها كانت طفلة تملك الكثير من الذكاء و الكبرياء و العفة فقد استطاعت رغم صغر سنها أن تحمي نفسها و شقيقتها من انحراف أخلاقي مُحتم في الوقت الذي لا يسأل من يدفعها للعمل إذا كان مصدر المال مشروعاً أم غير مشروع، المهم أن يدفعنَ له الضريبة عند عودتهنَّ في آخر كل نهار " ثائرة " كانت أسماً على مسمى فبعد صمتٍ دام ستة عشر عاماً ثارت واقعها، عندما بلغت الشرطة عما تتعرض له من ظلم وقالت لهم بأنها تريد الحل..
بعد النظر بالمشكلة أمرت الشرطة بموجب القانون طبعاً بسحب وصاية الأب عن ابنته الكبرى فقط كونها بلغت الثمانية عشرة عاماً ( السن القانوني ) لتعيش في كنف أمها بعد أن التزمت الأم بالتنازل عن شقة صغيرة تملكها لبناتها الثلاث.
العودة إلى نقطة الصفر
لقد انتقلت ثائرة من حياة الحرمان و الذل و الإهانة و الاستغلال عند والدها إلى حياة مليئة بالقلق و الحيرة و الضياع فنظرات زوج أمها و ابنه اليافع تلاحقانها أينما ذهبت و ماذا فعلت.
هل عادت إذاً إلى نقطة الصفر؟ إذا كان الزواج سبيلاٍ للنجاة فهل عريس الغفلة يقف وراء الباب في زمن أصبحت العنوسة فيه ظاهرة تعاني منها الملايين من الشابات و مثل ثائرة فتاة بسيطة طاهرة طيبة القلب تجهل كيفية استدراج عصفور إلى حديقتها و هي في سن الزواج.
أم تبحث لها عن عمل تهرب من خلاله لساعات طويلة خارج دائرة المشاكل التي تعيشها و أي عمل محترم ستجد و هي جاهلة غير محصنة بالعلم و المعرفة في زمن التكنولوجيا المعقد الذي يطفح بالمتغيرات الآنية التي قد يصعب على المتعلم المثقف نفسه فهمها و الانتقاء منها ما يناسب تفكيره و اهتمامه.
ثائرة ليست الوحيدة بل هناك الملايين من الفتيات اللواتي يواجهن واقعا اجتماعيا أكثر سحقاً و ظلماً من واقعها دون عتاد لهن مادي أو معنوي لكنهن يملكن إرادة قوية وإيمان عميق تحدوا بهما مجتمعاً يقدس ( قانون الغاب).
المصدر: بثينة الصفدي- الثرى
October 20th, 2009 - 06:48 AM

نقولا ناصيف - لاءات موسكو للرئيس لأسد






















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.
