

ابني الذي يكره الكتب

أدمن ابني إفساد جميع الحكايات التي خبأتها له منذ كان مجرد فكرة مترددة تعبر خاطري بين فينة وأخرى. ببرود لطالما سبب لي الغيظ كان يقاطع قصصي عند كل تفصيل مدخلاً تصحيحاته الجافة دون أن يخفي تهكمه الذي لم يعقه النصف غير المكتمل من لسانه..
فالخراف لا يمكن لها أن تهزم (حتى ولو اتحدت في صف واحد) الذئب الذي جاء يحتل أرضها، ذلك أن الذئب، وكما رأى بنفسه على قناة جيوغرافيك، يستطيع إفناء قطيع كامل من الأغنام، ثم انه لا يأتي ليحتل أرض أحد، بل ليفترس الخراف قبل أن ينسحب إلى وكره في الجبل.
وليس صحيحاً أن الجندب يتوانى عن جمع الحبوب لأنه كسلان بل لأنه، وكما شاهد في فيلم حياة حشرة، معتاد على سلب ما تجمعه النمال وغيرها من الحشرات، وبالتالي فلا يمكن أن ينتهي به الأمر شحاذاً على باب جارته النشيطة..
أما الغول الذي استخدمته كوسيلة للانتقام من هذا العقوق فقد حوله ابني إلى مجرد نكتة سخيفة.
كنت على وشك أن أنفض يدي من ابني مستنتجاً انه طفل بلا فضول ولا أثر من خيال وعصي، بالتالي، على دخول عالم المجاز الجميل.. إلى ذلك اليوم الذي حملت فيه إليه (يائساً) مجموعة من كتب الأطفال المترجمة (مترجمة طبعاً). كان أحدها يحمل عنوان (هل تستطيع الأفعى الزحف إلى الوراء؟)، والآخر بعنوان (لماذا علينا أن نخاف من ارتفاع حرارة الأرض؟)، أما الثالث فكان يدور حول إمكانية وجود حياة على المريخ..
تستطيعون توقع ما حدث.. نعم لقد أشعلت هذه الكتيبات فضول ابني وأثارت خياله، بل حولته إلى خبير زواحف، وداعية ثرثار ضد دخان الباصات، مع أصدقاء لا يمل الحديث معهم، هم بالضبط تلك الكائنات العجيبة التي سنعثر عليها في المريخ..
لقد كنت أنا، إذن، مكمن المشكلة، إذ ارتكبت خطأ جميع الآباء، فأردت حبسه في حكايات زمني، حيث الجدة أمام مدفأة الحطب، والكهرباء المقطوعة على الدوام، والقناة التلفزيونية الوحيدة.. وهي مفردات (باستثناء الكهرباء المقطوعة طبعاً) لم تعد تعني شيئاً للطفل الذي يعرف أرقام عشر محطات مخصصة للأطفال، وخمس أو ست محطات متخصصة في برامج الحيوانات، ويملك مكتبة كبيرة من أفلام والت ديزني..
المشكلة الأكبر هي أن معظم ناشري كتب الأطفال في بلدنا يرتكبون خطأي نفسه، إذ يخاطبون عقولاً شبه منقرضة، ما يحول مقولاتهم النبيلة عن (صناعة أجيال قارئة) و(محاربة الأمية الثقافية) إلى مجرد شعارات..
إنهم يحاربون الأمية الثقافية حقاً، لكن بسيوف من خشب.
المصدر: سلمان عز الدين - الثورة
January 12th, 2010 - 02:05 AM
التعليقات على الموضوع:
زائر
مقالة حلوه كتير بس الاحلى ان
مقالة حلوه كتير بس الاحلى ان ننتبه فعلا" بتعاملنا مع ابنائنا على وجود هذا الاساس ان معطيات الحياة عم تتغير من جيل لثاني ......

موسكو: فلينشروا نتائج استـطلاعهم حول الرئيس الأسد





















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.

Amer
شكرا" أستاذ سلمان, استمتعت بالمقال و خصوصا" بالأسلوب البارع الذي تكتب.
برأيي الشخصي , يجب علينا حماية أطفالنا من التلوث , ليس فقط من الأغاني الهابطة و أفلام الكرتون الخارقة و حسب, انما الحذر من توسيع و تكثيف دائرة الطفل المعرفية و التي امتدت في مقالتك الى المريخ, و هذا صحيح ووارد, فابنة أختي ذات الثلاث سنوات فقط لم تعد تضحكها بعض الأشياء التي كانت و لبضع سنوات تضحك و تلهم خيال أطفال ما قبل سنة 2000. فمالذي حدث؟!
انه عصر الطفرة المعلوماتية يا سيدي , ليس بالكيفية فقط , و انما الكمية التي أصبحت تلتهم أوقاتنا المؤثرة في حياتنا و التي ينبغي أن نستثمرها في القراءة و غيرها من النشاطات المفيدة. قد أصبحت المعلومات ضيفا" ثقيلا" على برنامجنا اليومي, فيمكن للساعتين أن تنقضي في برنامج لا يحمل أي قيمة ثقافية , أو للنصف ساعة أن تذهب ضحية الوقوف على أخبار تجري في قارة أخرى و لاتزيد معرفتنا فيها أي فائدة أو تغيير على نمط حياتنا الشرقي و هو بأمس الحاجة للتغيير و التطوير.
ينبغي أن نرقب الوقت و نحدده كي يكبر أبناؤنا مستفيدين منه و متعلمين كيفية استخدامه و توظيفه لا سيما و أن النسبة السكانية تزداد باضطراد يفرض التميّز و الابداع على الجيل الجديد.