

المواقع العربية تخوض معركة الرمق الأخير مع قوانين جرائم المعلومات

منذ مطلع العام الجاري، خاضت معظم وزارات الإعلام والاتصال في العالم العربي بجدية غمار تجربة تنظيم الإعلام الإلكتروني تحت لافتة موحدة تقريباً، مختصرها: حماية المواقع من التجاذب، وتوحيد السقف القانوني لها مع الإعلام التقليدي، وغير ذلك من الأسباب التي أفضت في بعض الدول إلى إصدار القانون، بينما تعمل أخرى على تنقيح مسودته.
ولم يقتصر الجهد العربي في هذا الجانب على المستوى المحلي فقط، بل عملت الجامعة العربية على تبني مبادرة قدمتها المملكة العربية السعودية تقترح فيها «تنظيما عربيا موحدا لعمل الصحف الإلكترونية»، الأمر الذي لاقى قبولا من مختلف الدول العربية، وأثر بشكل إيجابي في تجديد المحاولات التي شهدنا العديد منها خلال العام الجاري، نحو تفعيل المشاريع المندرجة على المستوى الوطني. وتعود المحاولات العربية لتنظيم الإعلام الفضائي والإلكتروني، إلى نيسان 2008، حين أقر وزراء الإعلام العرب خلال اجتماعهم الدوري في الجامعة العربية وثيقة تقدمت بها كل من مصر والسعودية وتونس، تدعو إلى تطبيق وثيقة تنظم هذا الإعلام عبر تعديل التشريعات المتعلقة بالإعلام في كل دولة، إلا أن تحفظا أبدته دولة قطر التي رأت فيها استهدافا مبطنا لقناة الجزيرة، ساهم بالاكتفاء بتسمية الوثيقة بـ«الاسترشادية»، إلا أن ذلك لم يقف حائلا دون المطالبة بإنشاء «مفوضية عربية للإعلام» تعمل على تنفيذها.
وفي شهر نيسان من العام الحالي، عمدت المواقع الإلكترونية والصحف الورقية في المملكة العربية السعودية إلى إصدار ميثاق شرف مهني متطلعة إليه كبديل أخلاقي، إلا أن مطالبات بعض كتاب الصحف الورقية بإصدار قانون كفيل بتنظيم الإعلام الإلكتروني وفق الأسس والقواعد القانونية التي تحكم عمل مؤسساتهم، لم تتوقف.
كما عكفت وزارتا الإعلام والاتصالات والتقانة في سورية على وضع مسودة «القانون الناظم للتواصل مع العموم على الشبكة»، وعلى الرغم من التسارع الكبير والجهود الحثيثة التي أبدتها الوزارتان في وضع صيغته النهائية خلال شهري أيار وحزيران الماضيين وسط توقعات بقرب موعد صدوره، إلا أن تناوله ما لبث أن أقفل في ميزان التداول خلال الشهرين الماضيين.
مسودة القانون السوري حاولت إعادة المساواة إلى بيئة العمل وأدواتها وضوابطها بين الإلكتروني والورقي، عبر إعادة الاعتبار إلى حقوق المؤلف والحفاظ على الملكية الفكرية وحقوق الأطراف المختلفة في العملية الإعلامية، إضافة إلى الالتزام بالقوانين الناظمة للإعلان، وسط نصوص عقابية تستند إلى الغرامات والسجن «عطفا على مندرجات قانوني المطبوعات والعقوبات» الناظمين لعمل الإعلام.
دول عربية أخرى وضعت نصوصا أولية لتنظيم الإعلام الإلكتروني كاليمن التي وزعت في نيسان الماضي مسودة قانون جديد تقدمت به وزارة الإعلام لديها بشأن تنظيم الإعلام السمعي والبصري الخاص والإعلام الإلكتروني.
وأثارت المسودة اليمنية حالة استياء واسعة لدى الصحفيين اليمنيين وفي مقدمتهم نقابة الصحفيين ومراسلو القنوات الفضائية العربية والأجنبية والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية، واصفين ما ورد في مواد نصوص القانون بـ«الكارثة»، متهمين وزارة الإعلام بالسعي إلى تجريم العمل الإعلامي الإذاعي والتلفزيوني والإلكتروني.
وقد فرض مشروع القانون اليمني دفع 20 مليون ريال «4 ملايين ليرة سورية» كرسوم ترخيص لمن يتقدم بطلب ترخيص لإنشاء موقع إلكتروني أو تجديده بذات المبلغ بعد سنتين، و10 ملايين رسوم امتلاك خدمة إعلامية عبر الوسائط المتعددة، و15 مليوناً رسوم بث خدمة إعلامية باستخدام الهاتف المرئي. وأعطى القانون اليمني الذي استثنى الأحزاب السياسية من حق امتلاك قنوات فضائية، موظف وزارة الإعلام صفة الضابطة القضائية لملاحقة المواقع والخدمات، كما أعطى وزير الإعلام الحق في إيقاف المؤسسة ومصادرة الأجهزة والمعدات المستعملة أو الجاري تركيبها في حال تكرار المخالفات مع فرض غرامات مالية يحددها الوزير.
واستند القانون اليمني إلى غرامات مالية في حال المخالفة، مع عدم الإخلال بالعقوبات الأشد التي ينص عليها قانون العقوبات بما في ذلك السجن.
أما لبنان، فهو الآخر يتطلع إلى إصدار قانون شامل للإعلام الإلكتروني «يصون الحريات»، على حد وصف وزير الإعلام طارق متري في لقاء تشاوري عقده قبل أسبوع مع ممثلي عدد من وسائل الإعلام الإلكتروني.
ويتناول مشروع القانون - الذي كلفت وضع مندرجاته لجنة تحديث القوانين في البرلمان اللبناني- جرائم المطبوعات متضمنة الجرائم الإلكترونية التي خصت بخمس مواد خاصة بالإعلام الإلكتروني.
لكن وزارة الإعلام اللبنانية ما زالت تحافظ على مسافة أمان بينها وبين القانون المزمع إطلاقه، حيث أكد الوزير متري أن «قطاع الإعلام الإلكتروني معقّد وبالتالي فهو عصيّ على السيطرة»، لافتاً إلى أن أي قانون عليه أن ينطلق من «مبدأ صون الحرية الإعلامية في لبنان بدل تقييدها»، وهو الأمر الذي لا يبدو منسجماً مع البنود المقترحة في القانون.
حقل تجربة!
فوجئت الدول العربية في لحظة تاريخية بإعلام «منفلت» عن أي قيود، تقوده المواقع الإعلامية على الإنترنت، وهذا ما لا يمكن قبوله في ظل الأرصدة الكبيرة التي تم توظيفها في طريق الإعلام التقليدي الذي تمرس طويلاً على تحسس المساحات المتاحة لعمله في ظل ظروفه الموضوعية.
وعلى الرغم من أن الدول العربية تحاول جاهدة الإبقاء على الإنترنت كأحد مشاهد انفتاحها واتساع أفق حرياتها الإعلامية، إلا الكلفة بدت باهظة، وبذلك يمكن التوقع بأن الانسجام والنشاط العربيين إزاء تنظيم الفضاء الإلكتروني ومن ضمنه العمل الإعلامي الإلكتروني، يظهر بأن فكرة «التنظيم العربي الموحد لعمل الصحف الإلكترونية» التي طرحت تحت سقف الجامعة العربية لم تخب، وإنما ترك تنفيذها لكل دولة على حدة وفق خطوطها الوطنية.
مشاريع القوانين العربية وتوالفها الزمني، يؤشر في جانب منه إلى مواعيد متفق عليها مسبقاً بين دوله، وهي مواعيد لا تبدو بعيدة عقب صدور قانون «جرائم أنظمة المعلومات المؤقت» في المملكة الأردنية الهاشمية.
والقانون الأردني، لا يختلف في عناوينه ومضامينه عن بقية مشاريع القوانين المطروحة في مختلف العالم العربي، حيث تتمحور العناوين حول الممارسات والأسس التي تتخلل تداول المعلومات عبر الشبكة، ومن ثم توظيف شعار «جرائم المعلومات» كمدخل لتنظيم الإعلام الإلكتروني.
ومضات
ما إن أقرت الحكومة الأردنية قانون «جرائم أنظمة المعلومات المؤقت» في الثالث من آب الماضي، حتى ثارت ثائرة الصحفيين الذين وجدوا في بنوده وسيلة لإحكام السيطرة على المواقع الإلكترونية الإخبارية. و أشارت مصادر حكومية إلى أن إساءة استغلال موظفي القطاع العام للإنترنت لساعة واحدة يوميا يهدر سنويا ما يقارب 70 مليون دينار «98 مليون دولار». وضمن السياق المتوقع، قال علي العايد وزير الإعلام والاتصال الأردني إن «القانون جاء لمواكبة تطورات أنظمة المعلومات ومعالجة الفراغ القانوني الناتج عنها.. وتعزيز الثقة بقطاع أنظمة المعلومات لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع» مشيرا إلى أن القانون «جاء لمعالجة التطور الهائل والسريع الذي شهدته أنظمة المعلومات».
ويهدف القانون المؤقت– حسب بيان حكومي في هذا الشأن- إلى تحديد عناصر جرائم انظمة المعلومات ومعالجة الثغرات والنقص التشريعي في التصدي للجرائم التقليدية والمستحدثة التي ترتكب باستخدام نظام المعلومات أو الشبكة المعلوماتية وبناء الثقة والأمان في استعمال تكنولوجيا المعلومات.
ويفرض القانون عقوبة على «إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الإنترنت أو أي نظام معلومات ينطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص» بيد أن لجنة حماية الصحفيين أشارت إلى أن القانون لا يحدد ما يشكل قدحا أو ذما أو تحقيرا.
كما يعاقب بموجبه من يطلع على «بيانات أو معلومات غير متاحة للجمهور وتمس الأمن الوطني أو العلاقات الخارجية للمملكة أو السلامة العامة أو الاقتصاد الوطني» من موقع إلكتروني أو نظام معلومات.
وتنص المادة الثامنة من القانون على غرامة تصل إلى «2000 دينار- 140 ألف ليرة سورية تقريبا» لكل من «قام قصداً بإرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أي نظام معلومات ينطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص».
كما تنص المادة «12» على غرامة تصل إلى «5000 دينار- 350 ألف ليرة سورية تقريبا» لكل من يدخل قصداً إلى موقع إلكتروني بهدف الاطلاع على بيانات أو معلومات غير متاحة للجمهور تمس الأمن الوطني أو العلاقات الخارجية للمملكة أو السلامة العامة أو الاقتصاد الوطني».
وتعتبر المادة آنفة الذكر أبرز فقرات القانون، إذ إنها تطول أي من المتصفحين للمواقع المحلية والخارجية التي تحجبها الحكومة لسبب أو لآخر.
وكما في مسودة القانون السوري، يترك القانون الأردني لبقية التشريعات ذات العلاقة التعامل مع قضايا النشر والحقوق المصانة لجميع أطراف المعادلة الإعلامية.
المصدر: الوطن السورية
September 1st, 2010 - 06:53 AM

نقولا ناصيف - لاءات موسكو للرئيس لأسد






















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.
