في الوقت الذي لم تكن فيه كل التجمعات السكانية مغطاة بالعيادات الطبية والمشافي العامة والخاصة  كان الناس يقصدون الصيدليات في المدن فيشرحون بغية الاستشفاء للصيدلي ما يعانونه من الم ومرض فيحصلون على الدواء حتى القطرات العينية وكان السبب وقتذاك قبل 40 عاما يتمثل بالعامل المادي .......... فبدل ان يدفع المريض أجرة المعاينة 5-10-25 ليرة وبالتالي ثمن الدواء كان يختصر على نفسه الطريق و يفضل ان يقتصر الدفع على ثمن الدواء فقط . ‏

ومع التطور الكبير الذي حدث في كل مناحي الحياة وتغطية كل التجمعات السكانية بالعيادات والمراكز الصحية والمشافي العامة والخاصة والصيدليات إلا ان الصورة لم تتغير كثيرا فمازالت الصيدلية المقصد الأول للحصول على الدواء حتى أصبحت ظاهرة عامة فنسبة مبيعات الصيدليات يوميا من الأدوية دون وصفة تقدر بين 40-50% وبعض الأدوية يبيعها الصيدلي بناء على ما يذكره المريض من أعراض وآلام فتكون الشكوى أحيانا هضمية او تنفسية بل ان بعض الصيادلة يتجرأ ويبيع الأدوية النفسية . في التحقيق التالي نحاول رصد بعض جوانب المشكلة التي سببها الأساس ارتفاع قيمة معاينة الأطباء وعدم تخلقهم بقيم الرحمة والشفقة والذين ينظر بعضهم للمريض على انه مجرد ورقة نقدية دون اية مراعاة لحالته الاجتماعية ليكون افضل المرضى بالنسبة اليهم ذاك الذي لا يموت ولا يشفى . ‏



يوفر وقت انتظار الموعد ‏

السيدة عبير البغدادي قالت : أنها عادة تلجا إلى الصيدلاني ليصف لها الدواء المناسب عند اصابتها هي او احد افراد اسرتها بوعكة صحية لا تستدعي الذهاب الى الطبيب مثل أمراض البرد من رشح وزكام وأنفلونزا او الأمراض التي قد تصيب الاطفال ايام الصيف من اسهال او مغص . في حين يعتقد السيد عماد نور الدين ان مراجعة الطبيب لكل شارد ة وواردة تحمله اعباء مادية لا طاقة له بها ولذلك يلجا الى استشارة الصيدلي الذي غالبا ما يعطيه الدواء المناسب ليوفر اجرة معاينة الطبيب المرتفعة وكذلك يوفر على المريض اخذ الموعد وفترة الانتظار التي قد تمتد بعض الأحيان لدى الأطباء الاخصائين عدة ايام يشفى خلالها المريض . ‏

السيد عدنان خضرو مريض سكري قال: انه يتناول دواء السكري باستمرار بعد أن حدد له طبيبه الجرعات والمدة التي يجب ان يتناوله خلالها وبالتالي لا يجد ضرورة لاستشارة الطبيب كلما انتهى الدواء وغالبا ما يذهب الى الصيدلاني لشراء الدواء دون وصفة طبية . ‏

المهندسة هالة محمد قالت : انها تقتنع في قرارة نفسها ان الذهاب الى الصيدلي لشراء ادوية للحالات المرضية المتكررة مثل الرشح والزكام افضل بكثير من مراجعة الطبيب وخاصة ان هذه الأدوية باتت معروفة للجميع . ‏

ويرى السيد عماد الشولي ان الصيدلي المعروف في أية منطقة يجعل سكانها يفضلون زيارته والتردد عليه باستمرار بين الفينة والأخرى لشراء الأدوية التي تتعلق بامراض القلب والسكري والضغط والتي يتم صرفها بشكل متكرر . ‏

السيدة أم مضر ربة منزل وأم لأربعة أولاد ذكرت : أن سبب شرائها الدواء دون وصفة طبية يعود الى ارتفاع المعاينات الطبية للأطباء مما يضطرها إلى استشارة الصيدلي او من سبق وجرب هذا الدواء او ذاك . ‏

50% يشترون الدواء دون وصفة ‏

ويرى عدد من الصيادلة الذين التقيناهم ان حوالي 50% من زبائنهم يعمدون إلى شراء الدواء دون وصفة وذلك لان قوانين وزارة الصحة لا تمنع ذلك وخاصة لأدوية otc والتي تشمل المسكنات على اختلاف أنواعها والمضادات الحيوية والمتممات الغذائية من فيتامينات وأغذية الأطفال وأدوية التنحيف . ‏

و هناك أدوية الأمراض المزمنة من أمراض الضغط الشرياني والقلب التي يتم صرفها غالبا بموجب وصفات طبية لكن في بعض الأحيان يصبح المريض معروفا بالنسبة للصيدلي الذي يتعامل معه فيتم صرف الدواء دون وصفة كنوع من المساعدة ولكون الطبيب المعالج يصف الدواء نفسه لفترات طويلة وشبه دائمة . الصيدلانية ملك الفوال قالت: نسبة الزبائن الذين يشترون ادوية دون وصفات طبية تتراوح بين 40-50 % يضاف اليهم نسبة 10% ممن يعانون من امراض مزمنة و يشترون الدواء دون وصفة ايضا . ‏

الدكتور الصيدلاني فادي شحادة قال : ان هناك حوالي 50% من الزبائن يقومون بشراء الأدوية دون وصفة وخاصة المسكنات وأدوية خافضات الحرارة والمضادات الحيوية الخفيفة وأدوية السعال والرشح وهو أمر سمحت به وزارة الصحة أما الأدوية المهدئة فيتم صرفها حصرا بموجب وصفة طبية وهناك سجلات خاصة بهذه الأنواع من الأدوية لخطورتها وأضاف الدكتور فادي: ان توفير الدواء للمواطن هو ما يسعى إليه أي صيدلي لكن هناك بعض الشركات الخاصة المصنعة للأدوية التي ترفض استرجاع الدواء عند انتهاء مدته وتلزم الصيدلاني بتحمل نتيجة عدم بيعه الأمر الذي يحد من اهتمام الصيدلي لجلب كميات كبيرة من الأدوية خشية عدم بيعها وتحمل الخسارة . ‏

وقسم الصيدلاني عصام الحلبي صرف الأدوية دون وصفات طبية الى نوعين الأول يتمثل باستشارة الصيدلاني ووصف الحالة المرضية له للمساعدة في تحديد الدواء المناسب والنوع الآخر يتمثل باعتماد المريض على نفسه بتحديد ما يريده من أدوية فيطلبها دون استشارة من الصيدلاني ‏

ويضيف السيد الحلبي : ان ارتفاع الأسعار ومنها كشفية الطبيب وخاصة الطبيب الأخصائي هي ما تدفع العديد من الناس لشراء الأدوية دون وصفات طبية . ‏

مخالف للقانون .....ولكن ! ‏

الدكتور محمد تحسين المصري اخصائي في امراض الأنف والأذن والحنجرة قال : أن بيع الأدوية دون وصفات طبية يعد مخالفا للقانون حتى في حالة إعطاء المسكنات او المضادات والصيدلاني يصف الدواء للمريض بشكل عام دون تشخيص ودون فحص وفقا للاعراض العامة التي يخبره به المريض والتي قد تتشابه مع أعراض كثير من الأمراض دون معرفة منه . وأضاف: أحيانا قد يكون التهاب البلعوم فيروسياً وليس بكتيرياً وهنا لا يمكن إعطاء المريض اي مضاد حيوي لكن الصيدلي قد يصف الدواء بناء على حديث المريض وشكواه بوجود التهاب بالبلعوم مضادا حيويا مما يزيد الحالة خطورة وتسوء صحة المريض أكثر فأكثر ولفت إلى انه لا يصف لمرضاه الدواء عبر الهاتف دون ان يجري لهم الفحص السريري المناسب مستغربا جرأة بعض الصيادلة بوصف الأدوية للمواطنين رغم أنهم لم يدرسوا الطب البشري ليكونوا قادرين على تحديد العلاج المناسب وفي هذا الإطار أشار بعض الأطباء الى أن استعمال العلاجات المتداولة مثل مسكنات الآلام (الأسبرين) بشكل مفرط يؤدي الى تقرحات حادة في المعدة والتهاب الكبد، كما يؤدي تناول الدواء بشكل عشوائي إلى حدوث مقاومة في الجسم لتأثير الدواء، فيضطر المريض إلى زيادة الجرعة، وبالتالي زيادة المضاعفات، إضافة إلى الكثير من الآثار الجانبية. ‏

الدكتور الصيدلاني فارس الشعار نقيب صيادلة سورية قال: كافة الانظمة الصحية في العالم تسمح للصيدلي ببيع ادوية او تي سي دون وصفة اما باقي الادوية فيجب بيعها بوصفة لافتا الى ان الصيدلاني هنا يلعب دور المرشد الناصح للمريض من اجل توعيته باستخدام الدواء بالشكل الامثل كون الدواء يختلف عن اية مادة اخرى واذا اعطي في غير محله ينذر بنتائج خطرة على الصحة العامة واضاف :الدواء سلاح ذو حدين فالمادة الدوائية يمكن ان تكون سما اذا تجاوزت الجرعة المحددة والتي لا يجوز تجاوزها الا باستشارة الطبيب مشيرا الى ان هناك بعض الادوية التي تعالج امراضا مزمنة تتطلب وجود وصفة طبية خاصة عند صرف الدواء لأول مرة . ‏

عقوبات غير رادعة ‏

وبالنسبة للعقوبات التي تتخذ بحق الصيدلي المخالف فهي عقوبات مسلكية تحددها نقابة الصيادلة تبدأ بدفع الغرامة المالية والتي تتراوح بين 1000 الى 3000 ليرة سورية وفي حال تكرار المخالفة يحول الصيدلي الى مجلس التأديب الفرعي الأمر الذي قد يؤدي إلى إغلاق الصيدلية لفترة محددة حسب نوع المخالفة ، لافتا الى ضرورة وجود تعاون بين الصيدلي الذي يعتبر صمام الأمان وبين الطبيب المعالج وفي حال وجود تضارب في كمية الدواء يقوم الصيدلي بالاتصال بالطبيب لتحديد كمية الجرعة . ‏

ونوه الدكتور الشعار إلى الدور الذي تقوم به لجنة شؤون الصيادلة في كل فرع من خلال الزيارات الدورية للتأكد من صرف الادوية وخاصة الادوية النفسية والمهدئة والمخدرة مشيرا الى وجود سجلات خاصة بهذه الأدوية. ‏

وحاليا أصدرت وزارة الصحة بالتعاون مع نقابة الأطباء ونقابة الصيادلة وصفات خاصة ذات ألوان متعددة خاصة بالأدوية المخدرة والنفسية يحتفظ كل من الصيدلي والمريض و الطبيب بنسخة منها وتقوم مديرية الرقابة الدوائية بالتفتيش والتاكد من عدم وجود اية مخالفات . ‏

ضبط البيع بوصفات ملونة ‏

الدكتورة رجوى جبيلي معاون وزير الصحة قالت: بيع الدواء دون وصفة طبية مخالف للقانون ونحن لدينا عدد من الأدوية المسموح بيعها دون وصفة وهي أدوية او تي سي اما الباقي فيجب بيعها بوصفة طبية ولفتت الى ان لدى وزارة الصحة برنامج ترشيد استخدام الدواء أطلقته قبل 10 سنوات يهدف إلى ترشيد بيع الدواء وصرفه بموجب وصفة طبية واستخدامه بالشكل الصحيح من خلال الندوات والمقالات الصحفية والبرامج التوعوية وخاصة ان لدى المواطن ثقافة معينة تقوم على التداوي الذاتي والتي يعتبر احد اهم أسبابها ارتفاع كشفية الطبيب ورغبة المواطن في الحصول على الدواء بسرعة من خلال استشارة الصيدلي . ‏

وأشارت الدكتورة جبيلي الى ان وزارة الصحة بدأت هذا الشهر بتطبيق الوصفات الطبية الملونة من اجل ضبط صرف الدواء لافتة إلى وجود هوس كبير لدى السيدات في شراء الأدوية المنحفة رغم أن هناك قراراً يمنع الصيادلة من صرف الأدوية المنحفة الكيماوية والعشبية دون وصفة طبية، ولا سيما بعد أن كشفت وزارة الصحة، الغشّ في بعض المنتَجات الدوائية الخاصة بالتنحيف وقد تم سحب مجموعة منها كما يتم سحب بعض الملينات التي تسبب كثرتها اضرارا كبيرة . أما بالنسبة إلى المنتجات الطبيعية ذات المواصفات السحرية الحارقة للدهون والشحوم والبدانة ، والتي شاعت سمعتها وأسماؤها على القنوات الفضائية، ، فهي «غير مرخصة نهائياً في سورية». وإن كانت قد اتخذت بعض أماكن التوزيع والترويج لمنتجاتها في سورية، واوضحت جبيلي ان الانظمة والقوانين الصحية التي تشكل الية الرقابة في عمل وزارة الصحة فكلها تمنع وتحظر على الصيدلي بيع أي دواء دون وصفة طبية باستثناء ادوية او تي سي كما ان القوانين نصت على عقوبات صارمة بحق كل صيدلي مخالف حيث يحول إلى مجلس تأديب تتم محاكمته بوجود قاض لينال جزاءه العادل . وأكدت الدكتورة جبيلي انه لابد من تضافر كافة الجهود من اجل حل هذه المشكلة ولابد من تعاون وزارة الصحة مع نقابة الصيادلة لنشر الوعي حول خطورة استخدام الدواء دون وصفة . واخيرا نجد ان تأكيد الجميع على ان انتشار هذه الظاهرة يعود لارتفاع كلفة المعاينة الطبية وخاصة اذا كانت من طبيب اختصاصي . ‏

لذلك لابد من العمل على مراعاة الوضع المادي للمريض او الإسراع في تطبيق التامين الصحي للمرضى جميعهم باختلاف شرائحهم ولكافة الامراض . ‏


المصدر: منال الشرع – بشرى سمير - تشرين

January 24th, 2012 - 06:56 AM بوكمارك