التقيت بالدكتور عزمى بشارة ، ثلاث مرات ، كلها فى بيروت ، وكلها تتصل بالهم القومى ، والعمل الأكاديمى ، ولا أنكر أننى كنت من المعجبين بالرجل وبثقافته الواسعة ، ولفت انتباهى ، أنه شديد الدهاء (وثمة فارق كبير بين الدهاء والذكاء) ، وأنه يمتلك قدرات جدلية عالية ، بحيث يحول أمامك الحق ، إلى باطل ، والباطل إلى حق ، والمقاومة إلى إرهاب ، والإرهاب إلى مقاومة.
وغالباً ما تقتنع ؛ فالذى أمامك هو (عزمى بشارة) ، ذلك الرجل طبقت شهرته الآفاق ، ذلك الرجل الذى طردته إسرائيل ، وحكمت عليه غيابياً ، واتهمته بالاتصال بدول وأحزاب معادية (سوريا) و(حزب الله) ، فكيف ينطق عن الهوى .. ولماذا لا نصدقه ، حتى ولو قال كلاماً فارغاً ، إنه المناضل العنيد ، ضد الصهاينة ، وفى عقر دارهم ، فى الكنيست ، حتى ولو كان جاره فى المقعد داخل القاعة الفسيحة المبنية على أشلاء أجدادنا ؛ هو شيمون بيريز ، فليكن.. إنه عزمى بشارة وكفى فلنتبعه ونصدقه ولنصمت !! .
وبالفعل ، صدقت الرجل ، وأحببت جداله الذى لا يتفوق عليه فيه ، سوى (اليهود) ، كما تنبئنا قصتهم مع نبى الله موسى فى سورة البقرة .
ومرت الأيام .. وجرى تحت الجسر، وفى النهر مياه كثيرة ، أغلبها آسن وسام ، واستمر تصديقنا للرجل ، كان وقتها صديقنا الغالى د. إبراهيم علوش ، المفكر والمناضل القومى المعروف يصدمنا بموقفه الجذرى من عزمى بشارة ، ويراه فى المجمل ، غير صادق فى عروبته ، ونضاله ، وكنا نختلف معه ، وأتذكر عام 2005 وعلى غذاء عمل متواضع فى مركزنا (يافا للدراسات والأبحاث بالقاهرة) وفى حضور الصديقين المناضلين أحمد بهاء شعبان وعبد القادر ياسين ، أعاد إبراهيم علوش تحذيرنا من الانخداع فى ظاهرة عزمى بشارة ، وفى ثوريته المغشوشة ، وقوميته (الفشنك) وكنا – ثلاثتنا – نرد عليه مختلفين ، ومندهشين من هذا الظلم البين لمناضل يعانى الأمرين من اليهود الصهاينة !! لكن .. وآه من لكن تلك ، يبدو أن إبراهيم علوش كان (زرقاء اليمامة) ، كان أكثرنا وعياً ، وأبعدنا نظراً ، وأنفذنا بصيرة ، فالمناضل الفلسطينى الذى دخل الكنيست ، بزعم الدفاع عن عرب 1948 قد تم فبركة عدائه ومحاكماته مع اليهود لاحقاً ، كما يقول العالمون بالأمر من عرب 1948 ، هذا المناضل يدافع الآن وبشطارة الشياطين (المصريون يقولون الشيطان شاطر) عن ثورات الـ C.I.A فى المنطقة ، ولننحى جانباً ثورتنا الحقيقية فى مصر التى يتمسح بها ويخلطها بالآخريات !! ، ولنتأمل تحليلاته ، عبر الجزيرة (التى فضحته عبر اليوتيوب ، حين أظهرت أنه مستأجر ليس إلا) لما أسماه سيادته بثورات ليبيا وسوريا ، وكيف ينَّظر وبإخلاص – والله أحسده عليه – لتعاون (الثوار) مع حلف الناتو ، والـ 40 دولة التابعة لواشنطن ، تماماً – نذكرت الآن – كيف كان يبرر لنا عمله وتحالفه مع المجرمين الصهاينة ، قتلة العرب فى الكنيست الإسرائيلى ، من أجل تحقيق مطالب عرب 1948 ، رغم أن الشيخ رائد صلاح - مثلاً الأكثر صدقاً وسجناً ، من عشرين من أمثال المفكر (العربى !!) عزمى بشارة ، لم يدخل الكنيست ، ورغم ذلك قاد حركة الشعب داخل أراضى 1948 فى فروسية لا مثيل لها طيلة الثلاثين عاماً الماضية ، الآن تذكرنا والآن فهمنا ؛ إن من يسوغ لنفسه العلاقة الدافئة والخاصة مع الإسرائيلى داخل حجرات الكنيست ، ليس مستهجناً منه أن يبرر ، ويفلسف – كما المسيح الدجال – العلاقة بين عملاء خونة يسميهم هو وشيخه حمد بن جاسم بالثوار وحلف الناتو و الـ C.I.A ورجال الموساد ، ما الفارق بالله عليكم ؟! لكن ما أحزننى حقاً أن الأخ عزمى بشارة ، تلقى دعماً معنوياً وربما مادياً واسع النطاق من سوريا ، ومن قوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية التى تحميها وترعاها دمشق ، ونظام حافظ وبشار الأسد ، هذه الـ (سوريا) تجد الآن وفى ذروة المحنة ، من (عزمى) كل هذا النكران والكراهية ، باسم مساندة الحريات والديمقراطية وهو أول من يعلم أنه كاذب ، وأن سوريا ، كدولة ومجتمع ، تؤخذ كاملة ؛ (مقاومة وحريات) وهى عندئذ تزن أكثر ويُحترم مشروعها القومى الذى يواجه بمؤامرة كبرى ، أميره القطرى هو أول من يقودها نيابة عن واشنطن ، وتل أبيب، وأمير انقلب على والده ؛ لا خير فيه لأهل دمشق أو طرابلس كما يعلم الثوار الحقيقيون ، لقد أحزننى ، نكران الجميل ، ولى عنق الحقائق خدمة لأموال الأمير ، ومخططات أصدقاء قدماء داخل الكنيست .
ولكن ما أفرحنى هو انكشاف الغطاء عن (مفكر مدعى) ؛ ظل يخدعنا ربع قرن باسم فلسطين والمقاومة ؛ واتضح ، للعيان وعبر فضائية (الجزيرة) ، التى خانت لغتها ، قوميتها ، أنه لم يكن أبداً ، (مفكراً) ، أو (قومياً) ولكنه كان ولايزال .. عضواً بالكنيست الإسرائيلى ، لكن جلسات ومخططات الكنيست ، هذه المرة ، تنطلق من قطر ، وليس من تل أبيب ، ومن يتأمل ملامح وجهه وهو يتحدث ، يدرك جيداً أنه يستشعر راحة وألفة شديدتين شبيهتين تماماً بجلسته فى الكنيست الإسرائيلى ، ولما لا ؟ وما الفارق ؟ .

 


المصدر: د. رفعت سيد أحمد - الخبر الجزائرية

September 5th, 2011 - 11:54 AM بوكمارك