(شذى المداد – خاص – داماس بوست) :كم قرار اتخذه مصرف سوريا المركزي في هذا الشهر ثم عاد وتراجع عنه؟ يسأل الدكتور الياس نجمة الخبير الاقتصادي المخضرم الذي يكتفي بالقول: "لا أحد في مصرف سوريا المركزي يعرف تداعيات تعويم الليرة السورية؟ أعتقد أنّ الحاكم الحالي للمصرف هو من يدير الأزمة ".
فعلاً هناك أزمة ، بحسب خبراء اقتصاديون، فقد الدولار فجأة من السوق السورية، وباتت مكاتب الصرافة وتحويل العملة تكشّ الذباب أكثر، تسأل أحد العاملين فيها:" ما سعر الدولار اليوم" ليجيب على عجل: "ولت أيام الدولار".
البعض من الخبراء والمحللين كالباحث الاقتصادي د. نادر الغنيمي يقول أنّ الدول الواثقة من اقتصادياتها تفضل التعويم فهي غير مرتبطة بتثبيت عملتها أمام أي عملة أو سلعة كالذهب، وتترك للسوق آلية تنظيم تلك العملة وفقا لقوتها الاقتصادية ونسبة الفوائد فيها وتصنيف حكوماتها الائتماني وتدفقات النقد إليها وميزانها التجاري وعجز الميزانية وآلية تسعير عملية البلد، هذا وضع طبيعي ،على حد قوله، لكن للدكتور نجمة رأي آخر: " في سوريا الوضع مختلف نحن أمام وضع استثنائي" ويضيف: "بالنسبة لليرة السورية من يقول تعويم فهو لا يفهم معنى تعويم فإذا كانت سويسرا لم تتحمل هجوم المضاربين فما بال الاقتصاد السوري؟".
يقول الدكتور الغنيمي: "لقد كثر الخوض في تعويم العملة السورية مما استوجب إيضاحاَ لكف ألسن من نصبوا أنفسهم خبراء وبدؤوا يحللون تأثير التعويم على الليرة السورية، في البداية لا بد أن أذكر حادثة حصلت معي وهي أنني قرأت يوم الجمعة التالي لظهور السيد ميالة على التلفاز على أحد المواقع خبرا مفاده أن البنك المركزي عوّم الليرة السورية فما كان مني إلا أن دخلت على الخط وانتقدت من قام بهذا التصريح وقلت حينها أن التعويم في أي بلد يشكو من أزمة سياسية واقتصاد يخضع لعقوبات صارمة، نتج عنها فقدان التدفقات الخارجية بالعملات الصعبة، ونقص في الموارد بسبب إيقاف تصدير النفط إضافة إلى تراجع بل ركود اقتصادي مصاحب لعجز ميزانية يعادل حوالي 20% من الناتج المحلي فضلا عن تضخم حاد في الأسعار هو بمثابة نحر لعملة هذا البلد ولا يقدم على ذلك من يملك أي حكمة".
يشير الدكتور نادر الغنيمي: "التعويم في الحالة السورية فهو يستحق كلمة إغراق، ليس هناك تعويم في سوريا، وما كان من هذا الموقع إلا أن تراجع عن هذا التصريح مدفوعا بحسه الوطني". وفي اليوم التالي أي يوم السبت فوجئت بسماع عدة محطات تتكلم عن تعويم العملة السورية. ولما أردت التأكد عرفت مصدر ذلك اللغط لقد صدر في جريدة فاينيشال تايمز مقابلة مع السيد ميالة ذكر فيها أن سوريا تتبع سياسة التعويم الجزئي .
هل صحيح أن ما حدث في سوريا هو تعويم ؟ وهل هو تعويم جزئي بل هل يمت للتعويم بصلة ؟؟ يسأل خبير اقتصادي: "يقصد بالتعويم تحويل العملة إلى سلعة تخضع كأي سلعة لعوامل العرض والطلب في تحديد سعرها. وهذا يستوجب أن تكون العملة قابلة للتحويل للعملات الأخرى التي سيتم تسعيرها ومعنى ذلك ألا يكون هناك أي عائق في وجه شراء العملة أو بيعها مقابل أي عملة أخرى , فهل تحقق الشرط هذا في الليرة السورية ؟؟ هل سمح القرار الأخير لمجلس الوزراء بعد أن أفرغه السيد ميالة من مضمونه بالتداول الحر لليرة السورية ؟ من يقرأ التعليمات التنفيذية يرى أن القرار سمح بشكل حر فقط لمن يملك عملة صعبة أن يحولها إلى الليرة السورية بسعر هو أعدل من السعر الرسمي السابق ولكن وضع عوائق عديدة أمام من يريد شراء العملة الصعبة ومنع استخدام البنوك للعملة المشتراة في تمويل الاستيراد . إذا أول شرط من شروط التعويم لم يتحقق وهو حرية البيع والشراء. ولكن كيف يتم تقييم أي عملة بعد التعويم.
يقول الدكتور الغنيمي أنّ سوريا ليست أمريكا، ففي أمريكا منذ عام 1971 بعد أن أعلن نيكسون عن خروجها من معيار الذهب الذي كان بموجبه تتعهد أمريكا بإعطاء أونصة ذهب مقابل كل 35 دولار أصبحت العملة الأمريكية من العملات الورقية بقوة القانون، وتحولت العملة الأمريكية إلى سلعة يتم تقييمها، وفقا لقوة الاقتصاد الأمريكي وتدفقات الأموال إليه والميزان التجاري وحجم العجز أو الفائض في ميزانية الحكومة الأمريكية.
الوضع في سوريا يختلف عن ذلك كلياً، برأي الخبراء، يمكن اعتبار أنه من يشتري دولارا فهو يشتري سهما في شركة كبرى يتوقف على أدائها قيمة السهم وهذا هو أقرب وصف للتعويم.
أما التعويم الجزئي، والذي نخالف السيد ميالة أنه تم تطبيقه حاليا، يسبب المزيد من هبوط لليرة السورية، فهو أن يتم السماح بالبيع والشراء الحر ولكن ضمن مجال محدد بين سعرين، أحدهما هو الحد الأدنى التي تسمح بها الدولة، قبل أن يتدخل بنكها المركزي (واقعيا وليس لفظيا") في السوق لمنع هبوط سعر العملة وذلك بشراء العملة مقابل العملات الصعبة وكذلك وضع حدا أعلى لا تتجاوزه العملة لأن العملة القوية تضر أيضاً بالاقتصاد خاصة في حالة الركود.
نتمنى على الاقتصاديين أن يشرحوا للمواطن الذي صدق الفريق الاقتصادي بأن مدخراته لن تتآكل بسبب هبوط قيمة العملة بأن ما حدث ليس بالتعويم لا الجزئي ولا الكلي ونتمنى على المسئولين في الفريق الاقتصادي بأن تكون تصريحاتهم للخارج مثل ما يصرحون به للداخل على الأقل أن المواطن في الداخل هو الذي يتأثر بنتائج تلك التصريحات.


January 29th, 2012 - 02:46 PM بوكمارك