

هل تيتّمت الكوميديا السوريّة بعد نهاد قلعي؟

كل ما يقال الآن عن تطوّر الكوميديا التلفزيونية السورية، لا يعادل ما أنجزته في بداياتها المبكرة، أيام الأبيض والأسود. إذ كانت تلك المسلسلات بمثابة البصمة التي لن تتكرر في كل التجارب اللاحقة. الإعادة العاشرة ربما، لـ«حمّام الهنا»، و«صح النوم»، و«مقالب غوّار» للثنائي دريد لحام ونهاد قلعي على قناة «الدنيا»، سنجد أنفسنا مشدودين بشغف إلى مغامرات «غوّار الطوشة»، كأننا نشاهدها للمرة الأولى. لكن ما سرّ خلود مثل هذه الأعمال؟ ولماذا لم تزاحمها أعمال كوميدية أخرى بالقوة نفسها؟ لعل السرّ يكمن في بناء الشخصيات أولاً، وتأصيل كاركتير بيئي، في تنويعات حياتية متباينة، نتلمّس خلالها روح الحارة الشعبية، من دون إقحام معطيات أيديولوجية من خارجها.
شخصيات مثل «غوّار الطوشة»، أو «حسني البورظان»، أو «أبو صياح»، أو «أبو عنتر»، أو «فطوم حيص بيص»، ستبقى في ذاكرة الكوميديا السورية طويلاً بوصفها علامات راسخة تعبّر عن هوية محليّة أصيلة للشارع الشعبي. كما أنها تنطوي على فكاهة يوميّّة تفرزها المواقف المتناقضة للشخصيات، تبعاً لمصالحها. وحده «غوّار الطوشة» يعيش حياة الرجل الصغير الذي لا يجد مكاناً له، فيخترعه بمقالب تزعزع استقرار مصالح الآخرين، حتى لو دفع الثمن مباشرة بالنبذ والطرد والإقصاء. ولأنّه ليس لديه ما يخسره، يخوض مغامرات أخرى بهدف تحقيق كيانه الصغير، وتبرير فشله المستمر في العمل والحبّ.
سننتبه مجدداً إلى شخصية فريدة في خصائصها، هي شخصية «أبو فهمي» التي يلعبها الراحل فهد كعيكاتي باقتدار لافت. كأن «أبو فهمي» خارج من إحدى صفحات كتاب «البخلاء» للجاحظ. رجل شحيح اليد والعواطف، ملحاح في تحقيق مصالحه الشخصية، لا يأبه لما يجري للآخرين، طمّاع إلى أقصى حد. في أحد أفلام لحام وقلعي، يطلب من غوّار أن يرسم منظراً طبيعياً على حائط دكانه، وزيادة في الطمع، يلحّ على الرسام أن يرسم له بطة فوق الشجرة! وفي فيلم «حادثة النصف متر» لسمير ذكرى، يعمل أبو فهمي بائعاً للحبال، يطلب منه شخص حبلاً متيناً، فيسأله عن الغرض منه. فيجيبه الشخص بأنّه يريد الحبل ناعماً على العنق بقصد الانتحار. بالطبع لا يأبه أبو فهمي لمصير الرجل، فيختار حبلاً مناسباً ويشرح له مزاياه ومتانته وقدرته على التحمّل.
إعادة عرض هذه الأعمال على شاشة قناة «الدنيا»، تطرح مجدداً مشكلة الكوميديا السورية اليوم، هذه الكوميديا التي باتت أشبه بالنكتة العابرة في مواقف مسطّحة يكتبها هواة عابرون، وهذا ما يجعلنا نتذكّر كاتباً عملاقاً مثل نهاد قلعي الذي لم يجارِه أحد من كتّاب الكوميديا في التقاط الحس الشعبي البسيط، ورسم خريطة بيئية للحارة الدمشقية بأطيافها المتعددة، وأنماط شخصياتها الاستثنائية: هل نتذكّر «أبو عنتر»؟ أم نتوقف عند ياسين بقوش أم حسني البورظان، المثقف الذي يجد نفسه غريباً وغارقاً في أوهامه وتطلعاته.
لنقل باطمئنان إذاً إنّ الكوميديا السورية خرجت من عباءة كاتب عبقري هو نهاد قلعي. وبفقدانه، أضحت هذه الكوميديا يتيمةً، وبمشية عرجاء.
المصدر: خليل صويلح - الأخبار
July 7th, 2009 - 05:00 PM

نقولا ناصيف - لاءات موسكو للرئيس لأسد





















لبناني وكويتي يطلقان اضخم شبكة اخبار عربية من باريس.
