لا ريب في أن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان العقد الأكثر حضوراً ونجاحاً وازدهاراً في مسيرة الدراما التلفزيونية السورية التي بلغت الخمسين من عمرها فخلال سنواته العشر ترسخت فيه هذه الدراما صناعة وخطاباً وخياراً فكرياً ومعرفياً وتنويرياً مفتوح الاحتمالات ومشرّع الأبواب لأي اجتهاد في زمن طغى فيه الإعلام البصري وتراجعت فيه تجليات الثقافة الأخرى.

بدأ القرن الجديد وقد أصبحت الدراما التلفزيونية ميناء الأفكار والرؤى والتطلعات وإحدى أهم وسائل تكوين الرأي العام في العالم العربي مدفوعة باهتمام غير عادي من الفضائيات العربية التي نجحت في تحويلها إلى مطية سهلة لتحقيق أهداف تجارية وفكرية.

خلال السنوات العشر الأخيرة بلغت الدراما السورية أعلى درجات النضج وقدمت أهم وأجمل الأعمال الدرامية العربية وبعضها أسهم بشكل جلي في تغيير قناعات ومسلمات تتعلق بالتاريخ أو بالراهن وليس خافياً على الإطلاق التأثير الكبير للمسلسل التاريخي الشهير (الزير سالم) للكاتب الراحل ممدوح عدوان والمخرج حاتم علي الذي عُرض في أوائل سنوات العقد حيث حقق هذا المسلسل حضوراً غير مسبوق في البلاد العربية واستطاع تحريك بحيرات تاريخية راكدة كما استطاع تغيير قواعد اللعبة الدرامية وخاصة على صعيد التلقي حيث انقسمت الآراء وامتد تأثيره إلى النخب والناس العاديين على حد سواء ويمكن القول إن ذاك العمل الذي لا ينسى كان خطوة مهمة في طريق تحويل الممثل السوري إلى نجم عربي يلقى الترحيب أينما حل وكان بوابة نجاح للمخرج حاتم علي والفنان سلوم حداد. وبعد ذاك العمل دخلت الدراما السورية مسارات جديدة حيث شعرت أن المسؤولية ألقيت على كاهلها بعد خفوت نجم الدراما المصرية التي شعرت بارتباك لم تستطع التغلب عليه إلا منذ عامين فقط.
لقد كان عقداً حافلاً بالأعمال الدرامية الكبرى حيث قدم المخرج حاتم علي والكاتب الأردني وليد سيف درر الأعمال السورية بدءاً من (صلاح الدين) و(التغريبة الفلسطينية) الذي يعتبر التجلي الدرامي العربي الأعلى والأرقى والأهم وانتهاء بثلاثية الأندلس التي كانت نافذة جديدة وواسعة أطل من خلالها المشاهد العربي على مراحل تاريخية عربية عاصفة وقد بلغ علي وسيف في مسلسل (ملوك الطوائف) أعلى درجات النضج الدرامي من حيث الشكل والمضمون وربما أتعب هذا العمل كل الكتاب والمخرجين الذين يريدون ولوج باب التاريخ فالمقارنة هنا تبدو ظالمة وغير منصفة فشتان بين هذا وذاك. وقُدمت خلال العقد الفائت العديد من الأعمال التاريخية بعضها كان ناجحاً في جانب ولكنه لم يرق إلى مستوى الكمال الدرامي الذي تحقق في (ملوك الطوائف) ولكن المخرج حاتم علي لم يحافظ على مسار بدأه مع سيف فانحاز إلى أعمال لم تكن على مستوى ما قدمه وقد قيل الكثير في هذا الإطار.
لقد كان عقداً أزهرت فيه شجرة الدراما السورية بفضل كتاب ومخرجين وممثلين ومنتجين وفنانين وكومبارس فقد تكامل جهد هؤلاء وأثمر عن عشرات الأعمال الدرامية الناجحة التي كانت شرارة (ثورة درامية) في المشهد الإعلامي العربي، لقد كان للمخرجين السوريين حضور طاغ، إنه عقد المخرجين بلا منازع حيث بات للصورة معنى حيث اعتمد أغلب المخرجين السوريين لغة السينما بكل ما تحمل من عمق ودلالات في الدراما التلفزيونية، وهنا لابد من الوقوف عند تجربة المخرج باسل الخطيب المتميزة الذي قدم خلال السنوات العشر الأخيرة العديد من الأعمال التي كان لها وقع مختلف على المشاهدين العرب بدءاً من (هولاكو) الذي تنبأ بما حدث لاحقاً بالعراق ومروراً بـ(أبو زيد الهلالي) و(رسائل الحب والحرب) الذي يعتبر من أهم الأعمال الدرامية السورية خلال العقد الفائت مبنىً ومعنى كما قدم المخرج الكبير هيثم حقي آخر أعماله الدرامية المهمة كمخرج وهو مسلسل (ذكريات الزمن القادم) حيث التفت حقي بعد ذلك إلى إدارة شركة إنتاج فتحت الباب واسعاً أمام مواهب سورية واعدة من كتاب ومخرجين وممثلين وقد أشرف حقي على عشرات الأعمال التي أثارت جدلاً رغم أن عرضها انحصر على قناة الأوربت المشفرة وأهمها (الحصرم الشامي) الذي كان قراءة جديدة لتاريخ مدينة دمشق تباينت الآراء بحدة حولها بين مرحب بشدة ورافض بإلحاح.
لقد شهد ولادة مخرجين سوريين يحملون فهماً جديداً لدور ووظيفة الدراما التلفزيونية منهم: الليث حجو الذي قدم أعمالاً دخلت ذاكرة الدراما السورية بدءاً من (بقعة ضوء) ومروراً بـ(الانتظار) و(أهل الغرام) و(فنجان الدم) وانتهاء بمسلسل (ضيعة ضايعة) الذي يعتبر اقتراحاً مميزاً على صعيد الكوميديا الصادقة التي لديها نزوح نحو التراجيديا، والمخرج المثنى صبح الذي قدم أعمالاً اجتماعية وتاريخية تركت بصمة خاصة بدءاً من (على حافة الهاوية) و(ليس سراباً) و(الدوامة) و(القعقاع بن عمرو التميمي) وسمير حسين الذي بدأ العقد بمسلسل مميز هو (أمهات) وأنهاه بمسلسل كان حديث الشارع السوري وهو (وراء الشمس) ورشا شربتجي التي وقفت وراء كاميرا مسلسلات حققت نسب مشاهدة عالية جداً بدءاً بـ(غزلان في غابة الذئاب) وانتهاء بـ(تخت شرقي) وتألق المخرج التونسي شوقي الماجري في الدراما السورية وقدم أعمالاً وصل صداها إلى العالم كله حيث نال عمله (الاجتياح) أرفع جائزة درامية عالمية وقدم مسلسل (أسمهان) الذي كان مقاربة مهمة لشخصية سورية مثيرة للجدل.
كما شهد العقد الفائت عدة أعمال للمخرج نجدة أنزور بدءاً من (الحور العين) ومروراً بـ(سقف العالم) وانتهاء بـ(بما ملكت أيمانكم).
لقد كان عقداً ناجحاً وخاصة في سنواته الأولى التي شهدت ولادة مشروعات درامية ناجحة لعل أبرزها مسلسل (بقعة ضوء) الذي كان تجديداً حقيقياً في الكوميديا السورية ليس هذا فحسب بل تحوّل إلى مدرسة تخرج فيها كتاب ومخرجون وممثلون. كما اقتربت الدراما السورية في السنوات العشر الفائتة من قضايا المجتمع السوري الراهنة والملحة وقُدمت عشرات المسلسلات التي حاولت إلقاء الضوء على ما يعانيه هذا المجتمع الذي وجد نفسه في مواجهة تبدلات وتغييرات كثيرة وقد انتشرت موجة ما تسمى دراما العشوائيات التي تعتبر مستودع أزمات اجتماعية مستعصية من الحل وهنا نذكر بعض هذه الأعمال (غزلان في غابة الذئاب) و(الانتظار) و(قاع المدينة) وسواها من الأعمال التي كانت تحولاً في مسار الدراما الاجتماعية المعاصرة.
لم تكن الدراما السورية ولن تكون مجرد فرجة وتسلية بل وعاء أفكار وصعيد تتحرك عليه ورؤى وجهات نظر مختلفة إلى درجة التدافع حيث حاولت أن تكون مرآة يقف المجتمع أمامها ليرى عيوبه ومحاسنه أي إن الدراما اكتسبت (شرعية) التوغل أكثر في مناطق محرمة وتناول قضايا مسكوت منها ظلت على مدى طويل مسلمات وخطوطاً حمراء استطاعت الدراما السورية تخطي حاجز (العيب) وفتحت كوة في جدار يخفي وراءه (بلاوي) لا يريد أحد الاطلاع عليها وهنا بدأت تطرح أسئلة تولّد أجوبة عن الدور الحقيقي للدراما التلفزيونية وهل هي قادرة بالفعل على لعب دور خطر كهذا في ظل ندرة الكتاب والمخرجين وشركات الإنتاج التي تمتلك مشروعاً فكرياً شديد الوضوح غايته نبيلة ومقاصده مطلوبة.
ولكن الدراما السورية التي بلورت في العقد الأخير من القرن العشرين هوية سورية واضحة لا لبس فيها لها بدأت تفقد جزءاً من هويتها بعد أن تساهلت مع تدخل محطات فضائية عربية في مقاديرها. تدخل لم تجد هذه الدراما بُداً منه وخاصة أن المال هو الوقود الذي يحرك عجلاتها ويدفعها إلى الأمام، وهنا ظهر ما يسمى اليوم (المنتج المنفذ) الذي أنهى عصر المنتج الحقيقي بل كتم صوته وانتشرت ثقافة جديدة قوامها الاستماع إلى ما يريده الآخرون الذين ركبوا هذه الدراما وبدؤوا يأخذونها إلى مطارح هي لا تريدها بل تذهب إليها مكرهة وخاصة بعد أن تعب بعض (فرسانها) وعدم قدرة (الفرسان الجدد) على إيقاف نزف الهوية الذي تعيشه الدراما السورية هذه الأيام.
لقد كانت عقد الدراما الشامية بامتياز فيه وصل مسلسل (باب الحارة) إلى القاصي والداني مدفوعاً بتيار إعلامي غير مسبوق واللافت أن النقد اللاذع الذي وُجه لهذا العمل كان وقوده في الصعود الصاروخي لدرجة أنه دخل دائرة أكثر الأعمال الدرامية العالمية متابعة وقد حاول البعض ركب هذه الموجة وتقليد هذا العمل على أمل الحصول على جزء من (الكعكة) ولكنه فشل إلى حد بعيد ولم يصب النجاح الذي كان يأمله، لا أعتقد أن عملاً درامياً عربياً قبل (باب الحارة) استطاع تحقيق ما حققه من نجاح وجماهيرية طاغية بل مفرطة وغير مفهومة، لقد كان مفصل تحوّل مهم له ما بعده ولو توافر لهذا العمل أناس يملكون أفقاً درامياً أوسع ربما ما كان سيفقد بريقاً وأهمية وربما كان عمره أطول، وأنفع للمشاهدين.
تكاثرت شركات الإنتاج الدرامي بين عامي 2000 و2010 بعضها استطاع ترسيخ أقدامه وفرض نفسه لاعباً أساسياً في المعادلة الإنتاجية ووقف وراء أعمال درامية مهمة أثارت جدلاً ودخلت في معارك إعلامية مع جهات رقابية رسمية وشعبية.
ولكن خيط أغلب الشركات تراخى في العامين الأخيرين حيث لم تستطع الانتقال إلى مرحلة متقدمة في العمل الإنتاجي الدرامي عندما لم ترس قواعد مهنية تؤدي إلى انتقالها إلى مؤسسات تملك مشروعاً وتؤمن به وتعمل على خدمته. أغلب الشركات العاملة اليوم تنظر إلى المسألة من زاوية (المصلحة) و(الرزقة) ليس أكثر حيث نرى تناقض وتضارب ما تنتجه على الصعيد الفكري فالشركة التي تقف وراء عمل درامي من العيار الثقيل هي نفسها التي تقدم أحياناً مسلسلات سطحية وضحلة بل مسيئة للدراما السورية.
بل إن هذه الشركات متهمة من كثيرين بأنها وراء تراجع ما تشهده هذه الدراما من خلال إفساح المجال لعدد من الكتاب والمخرجين الذين لا يمتلكون موهبة أصيلة.
أخلت الرقابة في السنوات الأخيرة مواقع متقدمة لها وفضلت عدم الاشتباك المباشر مع الدراميين السوريين لا بل أطلقت العنان لبعضهم ربما إدراكاً منها أن سيف الرقابة لم يعد قاطعاً ومخيفاً في زمن شاخ فيه الرقيب القديم وتساقطت أسنانه ويريد تقاعداً مريحاً، فقد بات عمله غير ذي جدوى.
ولكن هذا لا يعني أن العقد الفائت لم يشهد معارك رقابية طاحنة حيث تعرضت أعمال كاملة للمنع أو أبعدت عن شهر رمضان المبارك أو شرحت وقطعت ورغم ذلك تظل الرقابة على الأعمال الدرامية في سورية من أكثر الرقابات العربية سعة صدر يصل أحياناً إلى درجة التهاون.
تألق الممثل السوري واستطاع أن يتقدم الصفوف ليتحول إلى واجهة إعلامية سورية مهمة، وبدأ يفرض شروطه في المعادلة الدرامية من حيث الضوء ومن حيث الأجر المادي الذي تضاعف مرات ومرات حتى وصل إلى مستويات بدأت تثير أسئلة عن مستقبل الصناعة وخاصة أن بوناً شاسعاً بين أجور الصف الأول والثاني والثالث في تواطؤ غير معلن بين المنتج والنجم، كما حقق الممثل السوري نقلة مهمة عندما بدأ المنتجون العرب وخاصة في مصر الاعتماد عليه في إنعاش الدراما المصرية وكان للنجم جمال سليمان قصب السبق في إعادة التعاون بين السوريين والمصريين من خلال المسلسل الذائع الصيت (حدائق الشيطان) كما كان لمخرجين سوريين مميزين وجودهم في الدراما المصرية وخاصة باسل الخطيب الذي قدم (جمال عبد الناصر) وحاتم علي الذي قدم (الملك فاروق) وقد حمل العملان خطاباً متناقضاً تبعاً للشخصية والمرحلة التي تناولها.
كلام كثير يمكن أن يُقال عن عشر سنوات من عمر الدراما التلفزيونية السورية هي بالتأكيد سنوات حصاد وعطاء ولكن العامين الأخيرين حملا أخباراً غير سارة حيث بدأت هذه الدراما تتعرض لموجات غريبة وطارئة فظهرت مجموعة من الأعمال السطحية والمفتعلة أثارت حفيظة النقاد والمراقبين الذين لاحظوا أن بحر الدراما السورية المتلاطم بدأ يفقد جموحه الزائد وبدأت موجاته بالتراجع حيث لم يرحب هؤلاء بأعمال من قبيل (أبو جانتي) و(صبايا) و(تخت شرقي) وأعمال أخرى تصب في منحى مختلف عن المنحى الذي اختاره الدراميون السوريون الذين تحملوا مسؤولية النهوض بهذه الدراما.
وتعرضت الدراما السورية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة إلى جملة متاعب سببتها الدراما التركية المدبلجة باللهجة السورية حيث اكتسحت هذه الدراما الطارئة المشهد الإعلامي العربي وأصبحت رقماً مهماً في المعادلة الدرامية العربية ويتحدث كثيرون عن كون هذه الدراما قد استولت على ساعات بث كانت مخصصة للدراما السورية كما أسهمت في كون شركات إنتاج كاملة إلى خيار الدبلجة الأكثر ربحاً، الأقل تعباً وقد تعامل الفنانون السوريون مع هذا الوافد الدرامي الجديد بقلق وخشية في البداية ولكنهم بعد ذلك ألفوه فقد أصبح أمراً واقعاً.
الآن تستعد الدراما السورية لعقد جديد يشهد أولى سنوات عودة الشراكة بين حاتم علي ووليد سيف من خلال مسلسل مثير لجدل قبل البدء بتصويره وهو (الفاروق) كما يشهد عشرات المسلسلات الأخرى التي يحمل بعضها أملاً بعقد آخر من النجاح.


المصدر: محمد أمين - الوطن السورية

February 6th, 2011 - 02:37 PM بوكمارك