

ممدوح حمادة : خطر حقيقي يهدد الكوميديا السورية

يعتبر ممدوح حمادة من أهم كتاب الكوميديا السورية ولعل مسلسله (ضيعة ضايعة) يقف اليوم في الصفوف الأولى بين الأعمال التي نالت اهتماماً ونجاحاً لدى قطاع واسع من المشاهدين العرب ويعتبر هذا العمل حركة تجديد ودفع للكوميديا السورية إلى الأمام ورغم اختياره الاقامة في دولة بيلاروسيا إلا أن حمادة يؤكد في حوار مع «الوطن» عبر الإنترنت أن المبدع لا يستطيع إيجاد بديل من الوطن «فالوطن ليس مجرد مكان يستدل عليه الإنسان بعلامات وضعها..» ويرى حمادة أننا ما زلنا مقصرين في التواصل «مع الآخر ضمن مجتمعنا وضمن أسرتنا، فما بالك مع الآخر على المستوى الإنساني».
كيف يقضي ممدوح حمادة وقته في بلاد البرد وبعيداً عن شمس الشرق؟
في الفترة الحالية أعمل مدرسا في الجامعة وهذا يستهلك نصف وقتي تقريباً بين دوام في الجامعة وتحضير للدروس، أما النصف الآخر فأمضيه بين الكتابة والترجمة، ولا يخلو الأمر من بعض الفسحات الزمنية لممارسة الهوايات الأخرى التي لم يسمح لها الوقت بأن تترسخ، وفيما يخص البرد فهو صديق لمن لديه الرغبة في استغلال الوقت حيث يشكل عاملاً مساعداً دفع الإنسان للبقاء في الأماكن المغلقة الملائمة للعمل الذي أمارسه، ولكنه وإن شكّل الجليد على النوافذ لا يتغلب على الدفء الذي تبعثه شمس الشرق في الروح.
لقد دخل عملك ضيعة ضايعة القلوب لأنه ينتمي إلى الكوميديا الإنسانية السامية هل فاجأك هذا النجاح الكبير وهل تتوقع نجاحاً مماثلاً للجزء الثاني؟
أنا بصراحة كنت أتوقع أن ينال العمل إعجاب الجمهور، ذلك أن كافة العناصر لذلك متوافرة فيه، فالعمل طبخ على نار هادئة حيث استمر الإعداد له أكثر من ثلاث سنوات تمت خلالها دراسة الشخصيات بشكل عميق ومفصل، وتوفر له مخرج مبدع ومخلص لعمله هو الليث حجو الذي كان شريكاً منذ بداية التحضير الطويل وصاحب المبادرة إلى إنجاز هذا العمل، أضف إلى ذلك الفنانين المتألقين الذين أدوا أدوارهم بصدق قل نظيره على الشاشة بدءاً من الفنانين باسم ياخور ونضال سيجري مرورا بالفنانين زهير رمضان وجرجس جبارة وفادي صبيح وصولا إلى طبيب المستوصف الفنان محمد آل رشي ورجل الشرطة جمال العلي، وأريد أن أنوه هنا بالكفاءة العالية التي تعرفت بها عبر الشاشة إلى الفنانين حسين عباس وعبد الناصر مرقبي وعبد اللـه شيخ خميس الذين وبكل صدق تفوقوا في أدائهم على توقعاتي للأدوار التي أدوها، إضافة إلى المبدعات تولاي هارون وآمال سعد الدين ورواد عليو وغادة بشور وسوسن عطاف، وأنا هنا لا أذكر الأسماء من باب المجاملة، فأنا بالفعل وبحكم بعد المسافة سمعت بالكثير منها وشاهدته للمرة الأولى فقط في «ضيعة ضايعة» ولكنني كنت أصاب بالدهشة كلما شاهدت أداءهم ولذلك أتحدث عنهم كعنصر أساسي من العناصر التي توفرت لنجاح العمل، أضف إلى ذلك الموسيقا المميزة التي قدمها طاهر ماملي والتي كسر فيها قوالب الإفيهات الكوميدية الممجوجة التي اعتدناها في الأعمال الكوميدية، وباقي العناصر من الإضاءة إلى التصوير إلى الملابس وغيرها التي تضافرت جميعها في هذا العمل لتشكل تناغماً نادراً ما يتكرر. ومن هنا أقول إنني عندما شاهدت الحلقة الأولى شعرت أن العمل سيلقى إعجاب الجمهور، وتنفست الصعداء لأن حصول ذلك يعني تجاوزك لنقطة الخطر التي ترافق الكوميديا، ذلك النوع الدرامي الذي لا يمكن أن يمر مرور الكرام فهو إن لم ينجح يكن سقوطه مدوياً، ولكن لم أكن أتوقع أن يصل نجاح العمل إلى الدرجة التي وصل إليها والتي لمستها شخصيا عبر الإنترنت وعبر الرسائل التي تلقيتها وأتلقاها.
أما بالنسبة للجزء الثاني فإن نجاح الجزء الأول جعل لزاما على كل فريق العمل بذل أقصى الجهود ليس فقط للمحافظة على المستوى الذي ميز الجزء الأول وإنما تطويره، وبناء على ذلك دخلت بعض التطورات على النص من حيث القضايا المطروحة وتحميله مضامين أكبر مع الحفاظ على العفوية التي ميزت الشخصيات في الجزء الأول، ولكن مع ذلك لا يمكنني أن أتوقع ماذا ستكون النتيجة وكيف سيتقبله الجمهور، هذا الأمر يصعب توقعه.
كيف ترى حال الكوميديا السورية على وجه الخصوص والدراما السورية على وجه العموم؟
ربما كان الحديث عن الكوميديا السورية بالنسبة لي صعباً بعض الشيء بحكم عدم اطلاعي على كل التجارب، وربما على أغلبها ولكن من خلال ما أشاهده يمكنني القول إن الكوميديا السورية تنضج يوماً بعد يوم، ولكن خطراً حقيقياً يتهددها هو تلك النظرة السطحية القاصرة إلى الكوميديا والتي تتعامل معها كدرجة ثانية، وإذا لم يتم تلافي هذا الموضوع فإن الكوميديا في طريقها إلى الأفول وربما سنشعر بذلك قريباً جداً. بالنسبة للدراما السورية بشكل عام فإنه يمكن القول إنها في طريقها للتحول إلى صناعة وإنها قدمت إنجازات مهمة لا يمكن ألا نراها ولكنها هي الأخرى تعاني من بعض الأمراض الخطرة وأهم هذه الأمراض هو الاطمئنان وفي بعض الأحيان الغرور وأخيراً اللجوء إلى العكازات من أجل الوصول إلى الجمهور، ففي العام الماضي مثلا شاهدنا عدداً من الأعمال أقحم أصحابها فيها قضايا لا تتحملها أعمالهم، أو تطرقوا لهذه القضايا بشكل سطحي مبهرج يذكرنا بمأساة الشعر الثوري الذي أثقل على أكتاف الثورات عند صعودها ولم يحملها عند تعثرها، وإذا لم نتجاوز هذه الثغرات فأعتقد أننا سنواجه مشكلة حقيقية.
هل ستسهم في الجزء السابع من بقعة ضوء وكيف تنظر إلى هذا المشروع بشكل عام؟
بالنسبة لبقعة ضوء فقد كنت ضيفاً عليه من الجزء الثاني، ساهمت فيه بدعوة من أصحاب المشروع، وحصل ذلك في الأجزاء اللاحقة، وفي الجزء السابع أيضاً تلقيت الدعوة للمساهمة وأنا أقوم الآن بكتابة عدد من اللوحات لهذا الغرض، أما المشروع بشكل عام فهو من دون شك مشروع مهم ومفصلي في تاريخ الدراما السورية، تعثر لأسباب يعرفها الجميع، ولا بد له للخروج من هذا المأزق أن يتجاوز الأسباب التي أدت إلى تعثره بين فترة وأخرى، وأعتقد أن الجزء السابع هو اختبار حقيقي لمدى قدرة هذا المشروع على متابعة حياته، ويمكنني أن أشير هنا على سبيل المثال إلى محنة الكتّاب في بقعة ضوء، والتي تتلخص بأن الكاتب حتى لو شارك في مئة جزء من هذا العمل لا يتولد لديه شعور بأنه شريك في صنعه، ذلك أن أي حديث عن العمل يغفل الكتاب إغفالاً تاماً ويمكن القول إن المحظوظ من هؤلاء الكتاب هو من يتم تجاهله بعد العمل ولا يتعرض للإساءة. وأعتقد أن العمل إذا كان يراد له الاستمرار فلا بد من دراسة الأمر دراسة متأنية غير متشنجة تهدف إلى تلافي نقاط الضعف التي مر بها.
ألا تفكر في تسطير غربتك على ورق أبيض يصلح لئن يكون مسلسلاً؟
بالأصل وقبل أن أمارس كتابة السيناريو أنا كاتب قصة، والكثير مما قدمته سواء في بقعة ضوء أم في ضيعة ضايعة أم «ما في أمل» أم غيرها، موجود في أدراجي كقصص قصيرة لم أنشرها لتعذر الصلة بدور النشر، ومن بين القصص المكتوبة هناك قصص كثيرة مستقاة من هذه التجربة، وقد سبق لي أن نشرت عام 1999 قصة طويلة بعنوان «المحطة الأخيرة» عن دار علاء الدين في دمشق، بين دفتيها الكثير من التفصيلات المستقاة من تجربتي هنا، وفي بقعة ضوء قدمت عدداً من القصص مستقاة من هذه التجربة مثل لوحة «العروس» أعتقد في الجزء الثالث. وأقوم الآن أيضاً بكتابة قصة مستقاة من هذه التجربة.
كيف ترى حال الإعلام العربي وخاصة أنك تنظر من زاوية بعيدة ولكنها شفافة أكثر؟
للإعلام العربي ما له، وعليه ما عليه وأظن أن المساحة غير كافية لمناقشة موضوع واسع مثل هذا، ولكن يمكن القول باختصار إن حال الإعلام العربي يعكس الحالة العربية بشكل عام، وإن كنا قد لاحظنا في السنوات الأخيرة تطوراً من الناحية التقنية والمهنية فإن هذا الإعلام مازال عاجزاً عن تشكيل مؤسسة قادرة عن استقطاب أصحاب الفكر الذين نادراً ما نسمع صوتهم عبر هذا الإعلام، ومن وجهة نظري فإنه في المرحلة الأخيرة أصبح هذا الإعلام يلعب دوراً سلبياً في إخضاع الثقافة لمفاهيمه القاصرة، حيث يتم السعي لأن يقوم الإعلام بصناعة الثقافة بدلاً من العكس، وهذا أيضاً يعكس الحالة العربية المتدهورة في العلاقة مع الثقافة، ويكفي أن نلقي نظرة على الحالة الإعلامية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين ونقارنها مع الحالة السائدة الآن لنكتشف الفرق، رغم الاختلاف الكبير من الناحية التقنية لمصلحة الإعلام الحالي، لقد كان الإعلام في بداية القرن العشرين والفترة القصيرة التي تبعته يحمل مشروعاً نهضوياً قدم أسماء وإنجازات ما زلنا نستظل بها حتى الآن، أما الإعلام الحالي فهو عدا كونه ليس صاحب مشروع فإنه يعمل على تدمير منجزات ذلك المشروع، والخوف أن يكون هذا مشروعه.
هل يستطيع المبدع إيجاد بديل من الوطن وأقصد من الناحية الوجدانية الصرفة؟
لا أعتقد أن أحدا يستطيع إيجاد بديل من الوطن، مبدعاً كان أم غير مبدع، فالوطن ليس مجرد مكان يستدل عليه الإنسان بعلامات وضعها، فيضيعه إذا أمحت هذه العلامات ثم يقوم بوضع علامات جديدة في مكان آخر تجعل هذا المكان وطناً جديداً، إن ما يربطه بهذا المكان الذي هو الوطن، وبعيداً عن العواطف، هو انتماء يحتوي على ثقافة ولغة وذاكرة وهموم وعلاقات وتاريخ وجينات وتفاصيل أخرى كثيرة، لا تتبدل مع تبدل مكان الإقامة، ولعل الاختلاف الذي يولده الاغتراب بين الشخص وسكان البلد الغريب الذي يعيش فيه، يعمق حالة الانتماء هذه ويجعلها أكثر حساسية بالنسبة له.
هل ما زلنا مقصرين كعرب في الوصول إلى الآخر؟
أعتقد أننا مقصرون في التواصل مع الآخر ضمن مجتمعنا وضمن أسرتنا، فما بالك مع الآخر على المستوى الإنساني، يتم رسم صورة مزيفة لنا وينجح من يفعل ذلك في رسم تلك الصورة فماذا نفعل نحن؟ في أحسن الأحوال لا ندافع عن صورتنا وفي الكثير من الأحيان نقدم ما يشبه الدليل على ما يقال، والسبب الأساسي باعتقادي هو أننا لا ننتج الثقافة، وما لدينا منها قابع في زاوية مهملة، لا نقدمه للعالم ولا نظهر له الاحترام في مجتمعاتنا، بل نحاربه في الكثير من الأحيان، والدليل على ذلك أن معظم النقاط المضيئة في علاقتنا بالآخر هي من صنع أفراد وليست من صنع مؤسسات، إن بناء آلية للتواصل داخل مجتمعاتنا يوفر الكثير من الطاقات التي تهدر عبثاً ويجعلنا قادرين على التواصل مع الآخر على المستوى الإنساني، والطريق الوحيد هو الثقافة، التي تمهد جميع الطرق الأخرى.
ما جديدك؟
بالنسبة للجديد انتهيت للتو من كتابة الجزء الثاني من ضيعة ضايعة وأعمل على لوحات بقعة ضوء وبعد ذلك سأتابع الكتابة في عمل جديد كنت قد بدأت فيه سابقا لشركة سورية الدولية، كما أحضر لفيلمي القصير الثاني كمخرج وهو واحد من ثلاثية تضم ثلاثة أفلام قصيرة تحمل نفس الموضوع قمت بإخراج الفيلم الأول منها في العام الماضي وأستعد الآن لتصوير الثاني ربما في النصف الثاني من هذا العام، وهناك الكثير من الأعمال المؤجلة بسبب ضيق الوقت، وعلى صعيد القصة أنتظر الفرصة المؤاتية لنشر مجموعتين قصصيتين كتبت قصصهما على مدى العشرين سنة الماضية، ولنشر كتاب مترجم.
المصدر: محمد أمين - الوطن السورية
February 8th, 2010 - 07:53 AM

ناصر قنديل - سيناريوهات الحرب المقبلة في الشرق الأوسط





















سيواجهون الإعدام: الحجز الاحتياطي على أموال خمسين من تجار
