حين عاد الشاب هيثم حقي من رحلة دراسته الأكاديمية، حمل الرجل مشروعه السينمائي إلى التلفزيون، وقد أدرك أن أحلامه السينمائية مؤجلة بحكم إنتاج الأمر الواقع، وأنه من الصعب أن يركن خبراته الأكاديمية جانباً بانتظار فرصة عمل سينمائية ربما لن تأتي بالشكل الذي يلبي طموح المخرج المملوء حماسة. فلم يكن سوى أن واءم بين الشرط التلفزيوني والشرط السينمائي ليخرج علينا بما يمكن تسميته بـ«سينما متلفزة» قدم من خلالها دراما تلفزيونية بامتياز سينمائي. خرجت الكاميرا خارج الاستديو بشكل كامل لا جزئي كما كان مخرجو التلفزيون يفعلون من قبله، وكان على الممثلين آنذاك أن يعتادوا على العمل أمام كاميرا واحدة تأخذ المشهد الواحد بأكثر من لقطة، ومن أكثر من اتجاه، ليصار تالياً إلى تركيبها بلعبة توليف مونتاجي فتصير مشهدا تلفزيونيا يعمر بالتفاصيل كما السينما.
في ذلك الوقت، كان هيثم حقي وحيداً في هوى «السينما المتلفزة»، ولم يكن قد نجح بعد في إقناع زملاء دراسته الأكاديميين بجدوى «مسايرة» الفن السابع النبيل للفن التلفزيوني الدخيل، كما لم يكن قد نجح في محاججة الأصوات المؤيدة للشكل الإذاعي للدراما التلفزيونية والذي كان سائداً آنذاك. في ذلك الوقت، كان هيثم حقي أمام تحد فني وفكري، تمثل بجدل كبير خاضه حقي بدءاً من مواقع التصوير مع ممثلين متذمرين من «الغبرة وقلة الواجب» في التصوير الخارجي ضمن ظروف طبيعية قاسية أحياناً، ولم ينته الجدل على صفحات الصحف والمجلات. في ذلك الوقت صنع هيثم حقي «دائرة النار» و«غضب الصحراء» ونجح في تنفيذ ملحمة الدراما السورية والقطاع العام (بالاشتراك مع مؤسسة الخليح للإنتاج المشترك) مسلسل «هجرة القلوب إلى القلوب» الذي يعد الفاصلة التي يختلف تاريخ الدراما السورية بعدها عما هو قبلها. ومع هذه الفاصلة وقدرتها على جمع ثلاثة أجيال من الممثلين ومواءمة خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية مع خريجي المسارح الشعبية وفرق الهواة. نجح المخرج حقي في رفع مغامرة السينمائي الشاب هيثم حقي في التلفزيون إلى مستوى المدرسة - التجربة. وعلى مدار أكثر من ربع قرن نجحت تلك التجربة أن تصبغ التجربة الدرامية السورية بسماتها وأسلوب عملها، إلى درجة نستطيع القول اليوم إن أغلب ما تنتجه الدراما السورية اليوم هو بامتياز مدرسة هيثم حقي الإخراجية، ولعل مخرجين معدودين على الأصابع كسروا طوق أسلوب تلك المدرسة منهم المخرج نجدت أنزور الذي أسس لمدرسته الإخراجية الخاصة، والمخرج هشام شربتجي والمخرج باسل الخطيب وآخرون، بينما بقي مخرجون كثيرون أوفياء لمدرسة حقي التي تعلموا فيها أو عاصروها، وعلى رأسهم المخرج حاتم علي ومن مخرجي الجيل الثاني الليث حجو، سيف الدين سبيعي والمثنى صبح وفراس دهني، ومخرجي الجيل الثالث رامي حنا وإيناس حقي. جميع هؤلاء قدموا تنويعات إخراجية على مقام مدرسة المخرج هيثم حقي من دون أن يشبهوه تماماً أو أن يكونوا نسخة كربونية عن بعضهم البعض، وفي هذا سر من أسرار المدرسة - التجربة هيثم حقي.
خاض هيثم حقي تجربة الإنتاج التلفزيوني مبكراً من خلال شركة إنتاج «الرحبة» من دون أن يحتكر إخراج أعمالها له وحده. بعد سنوات، عاد حقي ليؤسس إلى جانبها شركة «ريل فيلم» وهي شركة اختصت بإنتاج خاص بمؤسسة «أوربيت « وتوزعت أعمالها بإدارة حقي بين مصر وسورية وبين السينما والتلفزيون وقدمت خلال السنوات القليلة الماضية مجموعة أعمالا هامة «ننتظر الإفراج عنها من مستودعات الحصري في «الأوربيت» لتعرض بشكل جماهيري» أهمها ثلاثية «الحصرم الشامي» في التلفزيون. بدا لافتاً اعتماد حقي في هذه التجربة بالكامل على مخرجين شباب. في السينما، أنجز حقي عدة أفلام أهمها «التجلي الأخير لغيلان الدمشقي» و«بصرة» و«الليل الطويل» وهذا الأخير اكتفى فيه حقي بمهمة الكاتب وترك مهمة الإخراج لتلميذه النجيب حاتم علي، وقد نالا سويا جوائز بالجملة عليه في أكثر من مهرجان عالمي. اليوم، يعيد هيثم حقي ترتيب تجربته التلفزيونية ويميل باتجاه إنجاز مسلسل ضخم عن أبي خليل القباني، بينما يرتفع صوته أكثر لناحية ضرورة البدء بالإنتاج السينمائي السوري، ولسان حاله يقول إن كنا في الدراما التلفزيونية غزونا الشاشات العربية، فمن خلال السينما السورية سنغزو الصالات العالمية. داعياً القطاع الخاص إلى دخول تجربة الإنتاج السينمائي إلى جانب القطاع العام بعدما فعلها في الإنتاج التلفزيوني.
صدقوا هيثم حقي وقد جربناه منذ نحو ربع قرن حين نادى بسينمائية المشهد التلفزيوني. وقد تحقق ما بشّر به. الآن، يخطو بنفسه اليوم كمنتج (صاحب شركة الرحبة) نحو فيلم سينمائي سوري جديد بعنوان «حارة الورد» على قاعدة إني أغامر بأموالي لا بأموال الآخرين. المشاريع الكبيرة تحتاج دائماً إلى خطوة أولى جريئة، ومع هيثم حقي تعلّمنا أن تكون محسوبة.
 

المصدر: ماهر منصور - السفير

March 9th, 2010 - 09:37 AM بوكمارك