هناك في منطقة العفيف، وتحديداً في نادي الصحفيين، يمكنك أن تجد الروائي والسيناريست خالد خليفة على الطاولة ذاتها، مع فنجان القهوة السادة و»لابتوبه» الخاص.. قبل أن نبدأ حوارنا مع خليفة كان علينا أن نفهم علاقته بذلك المكان، ومع أولئك الأصدقاء الكثر الذين يبذلون جهدهم لتوفير جوّ العمل.
المناسب له، وحين نسي هو أنّهم موظفون في المكان، استطاع أن يُنسيهم أنّه زبون، لتتخذ طاولته من كلمة «محجوزة» شعاراً لها في حضوره وفي غيابه.. هنالك إيمان عميق عند خالد خليفة بضرورة وجود هيئة رسمية لتدافع عن حقوق الكاتب المادية والمعنوية.. وعلى اعتبار أنّ تعبير الحقوق المادية والمعنوية لكاتب سيناريو بدا واسعاً أو على الأقل غير مفهوم، سارع خليفة ليوضّح أنّ أهم حقّ للكاتب هو أن يستطيع الحفاظ على احترام اسمه ونصه، وهذا لا يمكن أن يحدث في حال استطاع أيّ كان – من وجهة نظر خالد - أن يعدّل في النص المكتوب دون الرجوع إلى الكاتب الأساسي والأخذ برأيه.
وفي رأي خليفة، ما يسمّى «الاستشارة الدرامية» في بلدنا تشبه «السلبطة»، وعلى اعتبار أنّ تعبير الاستشارة الدرامية لا يزال ضبابياً، فقد شرحه خليفة بأنّه «إعادة قراءة السيناريو، ومحاولة سدّ الثغرات البسيطة، التي من الممكن أن توجد أحياناً في رسم الشخصية، أو في الحوارات»، خصوصاً مع اعتبار الكاتب «الحلقة الأضعف في معادلة المسلسل، وإلى الآن لم يدرك أحد معنى الاستشارة الدرامية، فقوانين حماية المهنة موجودة في كلّ العالم إلا هنا، عدا محاولة ما يسمّى «المستشار الدرامي» (بروظة) اسمه على حساب اسم الكاتب».
وخليفة لم يقبل بأن يعمل مستشاراً درامياً لأيّ عمل، بسبب غياب تقاليد العمل في رأيه، بالإضافة إلى عدم معرفته عمل المستشار الفعلي، وفي رأيه شركة الإنتاج التي تشتري نصّاً تافهاً بثمن بخس تحاول أن تستعين بالمستشار الدرامي لإصلاحه، ويتابع: «إن كان هناك مستشار درامي يستطيع إنقاذ نص تافه فليرِنا نفسه»!.
الدراما السورية بلا تقاليد!
لا يخفي خليفة رأيه فيما يخص إدارة فنان لشركة إنتاج، ولا يجد مانعاً من التعامل مع هذه الشركات ولكن بشروطه هو لا بشروط المدير، ويضيف: «تجرية إدارة الممثلين من أيمن زيدان إلى سلوم حداد كانت سيئة، إذ إنّه في هذه الحالة من الصعب إخفاء نرجسية الممثل إلى درجة إلغاء الآخر»، وهو لا يعتبر نفسه متجنياً، إذ يقول: «كان من الممكن أن تنجح التجربة فيما لو كانوا منطقيين أكثر على مبدأ «أهل مكة أدرى بشعابها»؛ أي أنه من المفروض أن يكون أهل المهنة أقدر على الإدارة، وهو ما لم يحدث هنا، خصوصاً مع غياب تقاليد المهنة بشكل كامل، والدراما السورية مشت الطريق بشكل معكوس، فبدأت بالإنتاج، ومن ثمّ وضعت إدارات لهذه الشركات المنتجة»!.
وفي رأي خالد خليفة «شركة سورية الدولية، وشركة هيثم حقي» هما الشركتان الوحيدتان اللتان تعملان وفق تقاليد واضحة، ذلك أنّ «سورية الدولية» تأسست على قواعد صحيحة، وهيثم حقي حاول وضع تجربته الطويلة وخبرته في خدمة إدارته لشركة الإنتاج، وبنتيجة ذلك أنتج كماً من المسلسلات الممتازة!.
ممنوع النقد!!
نسمع بين الحين والآخر بعض الأصوات التي تنكر على الصحافة ممارسة حقها في نقد الدراما، ويوافقنا خليفة الرأي بقوله: «دراما لا تُنتقد.. هي دراما ستموت حتماً»، كما يرى أنّ الدراما السورية هي صاحبة براءة الاختراع لمقولة «ممنوع انتقاد الدراما»، وهذا مقتل لأيّ صناعة، فكيف سيكون الحال مع صناعة كالدراما تعتمد أولاً وأخيراً على أشخاص وليس على آلات..
4 سنوات لانهيار الدراما السورية
بحسب خليفة، درامانا في طريقها إلى السقوط، وللتحديد أكثر فقد أعطى مدة 3-4 سنوات لذلك الانهيار، وبما أنّه لا يلقي كلامه جزافاً فقد فسّر نبوءته بقوله: «عندما كان كتاب السيناريو في مصر جزءاً أساسياً من المشهد الدرامي المصري كانت الدراما المصرية بعافيتها الكاملة، والأصح كانت دراما محترمة، إلى أن أصبح القرار بيد الممثل النجم، عندها بدأت الدراما المصرية بالانحدار، إلى أن وصلت إلى الانهيار الذي نشاهده اليوم أو نشهد عليه»، ويتابع خليفة: «من أسف نحن استوردنا أسوأ ما في التجربة المصرية، وها هم الممثلون السوريون على بداية طريق التحكم في عناصر العمل».
ويرسم خليفة إشارات استفهام عديدة حول اعتراف الكثيرين بتراجع الدراما السورية، دون أن يمتلك أحد منهم جرأة تحديد الأسباب، وأكثر من ذلك هو يستغرب أن يُحمّل الكثيرون منهم مسؤولية ذلك التراجع إلى ما يسمى «الخارج»، وكأنّ واجب دول الخليج مثلاً يتلخص في شراء أعمالنا، ودفع الأموال مقابل مسلسلات قد لا تستحقّ ذلك..
ويفجر خليفة قنبلة بقوله: «الطريق الوحيد لتسويق درامانا هو البحث عن أسواق جديدة بعيدة عن السوق العربي وتحكّمه، وإلا فكيف اسطاعت الدراما التركية أن تغزو شاشاتنا فجأة، ولماذا لم نستطع نحن أن نسوق مسلسلات مهمّة، كـ»خان الحرير» و»التغريبة الفلسطينية» أو «ليس سراباً» إلى الخارج»، ويجيب عن سؤاله بأنّ السبب أننا نتوجه إلى المحطات العربية فقط، وهذا مقتل درامانا، وفي اللحظة التي سنفكر فيها في السوق الخارجي العالمي فإننا سنتطور بشكل سريع وكبير.
نتبادل الأزمات مع مصر!!
على الرغم من كلّ ما قيل عن هجرة الممثلين السوريين إلى مصر، يأتي رأي خليفة مختلفاً عن معظم ما سمعناه سابقاً، إذ إنّه يعتبر أنّ هذه الهجرة عبارة عن تبادل أزمات، وما من مبرّر للانتقاص من قيمة وجود سوريين داخل الدراما المصرية، والموضوع ببساطة أنّ ممثلينا ومخرجينا وحتى كتابنا ملّوا من بخل الإنتاج السوري، وفي الوقت نفسه، الذي شعر فيه المنتجون المصريون بالتعب من طلبات مواطنيهم، وبالطبع فإنّ الصراع السخيف الموجود حالياً بيننا وبين الدراما المصرية لا مبرّر له أبداً..
ولا يخفي خليفة إعجابه بما سمّاه «أجرأ قرار» اتخذته الدراما المصرية فيما يتعلق بعرض الدراما السورية على قنواتها، وانطلاقاً من ذلك هو يؤيد عرض الدراما التركية على شاشاتنا، فهي لن تؤثر سلباً علينا، وأكثر من ذلك فإنّ خليفة يعتبر عرض المسلسلات التركية فرصة لتراجع الدراما السورية أخطاءها وتستفيد منها، وإلا فكيف سنطلق عليها لقب الصناعة، في حال أنّها ستُهزم أمام 5 مسلسلات تركية، وبدلاً من أن ندخل صراعاً مع تركيا درامياً علينا أن نفكّر في الهجرة العكسية، أي أن نصدر مسلسلاتنا إليها، وبالتالي ثقافتنا..
طالبت بحقوقي فسموني المشاغب!
حول لقب «المشاغب» توقفنا طويلاً، وسبب هذا التوقف أنّ خليفة كان حزيناً بنفس درجة غضبه من اللقب، إذ إنّه يصرّ على أنّ ذلك اللقب إنما كان المقصود منه المعنى السلبي وليس الإيجابي، وفي محاولة لشرح سبب غضبه أو حزنه أسهب في كلامه بادئاً كلامه بأنّ السبب في ذلك أنّه طالب بحقوقه فقط..
المطالبة برفع أجر الكاتب سمّاه خليفة «حق»، بينما اعتبرته الشركات «مشاغبة»، وأما السبب في استغراب المنتج مطالبة الكاتب برفع أجره، أسوة بكل عناصر العمل، فيعود في رأي خليفة إلى: «في السنوات الماضية ظهرت أسماء كثيرة في كتابة السيناريو تحمل موهبة ضعيفة، أو لنقل إنّهم كتّاب من الدرجة الخامسة، بمعنى أنّهم مهما كتبوا من أعمال فإنّ اسمهم سيبقى مجهولاً على اعتبار أنّهم «مرتزقة»، وظهور هؤلاء أدّى إلى ولادة طريقة تفكير جديدة لدى الشركات المنتجة، وتتلخص في اعتبار أولئك الكتاب مقياساً من حيث الأجر، «وأنا شخصياً لم أقبل بذلك، كما أنني وضعت شروطي الخاصة، ما جعلهم يطلقون عليّ تلك الصفة التي أراها من أسوأ الصفات التي تطلق على كاتب عربي لمطالبته بحقه، أي أنّهم حوّلوا الميزة إلى تهمة وهذا ما لا أقبله أبداً».
وأمّا المسألة المهمّة الثانية التي أثارها خليفة، فتمحورت حول حقوق كتاب السيناريو المعنوية المهضومة، وفي رأيه الكاتب هنا هو آخر من يُحتفى به، ويضرب تجربة فؤاد حميرة، وفادي قوشقجي، وأمل حنا مثلاً، إذ إنّه ـ بحسب كلامه - لم يتمّ الاحتفاء بأيّ واحد منهم إعلامياً ولا حتى جماهيرياً، عدا موضة تجاهل اسم الكاتب «بالتتر» الثاني لشارة المسلسل، بينما يتكرّر اسم الكاتب في المسلسلات المصرية أكثر من 4 مرات، وليبقى اسم المخرج في «برواظه» الذهبي في الشارة الأولى والأخيرة.
الأعمال الشامية ساذجة!!
يبدو خليفة جريئاً «زيادة عن اللزوم» عندما يقرر أنه في حال أن بسام الملا صرح فعلاً أن «من لا يحب باب الحارة فهو لا يحب الشام»، فإن هذا التصريح هو كارثة حقيقية، ولكنه يرى كارثة أكبر من تصريح كهذا وهو أن لا يحاسبه «أي الملا» أحد على كلام كهذا. وفي مناسبة الكلام عن «باب الحارة» المسلسل الأكثر شهرة فإننا سألنا خليفة عن مشاركته بالأعمال التي تندرج تحت خانة ما يسمى «الفورة»، من أعمال البيئات إلى الأعمال التاريخية، ليؤكد هو أنه لم ولن يشارك بأي فورة درامية لأسباب اقتصادية، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد أنه ليس ضد أعمال البيئة، إنما ضد: «التبجح الأجوف والسخيف واختصار صورة بلد كامل في عمل»، كما أنه يرى أن إنتاج الأعمال الشامية بهذا الشكل إنما يعمم الأفكار الرجعية والساذجة، وإن كان صانعوا تلك المسلسلات أحرار في أعمالهم فعلى الأقل يجب أن يتوقفوا عن ارتداء ثوب الأستاذ في محاولة لتعليمنا كيف تصنع الدراما أو كيف تتطور المجتمعات

 


المصدر: هنادي الخطيب - صحيفة بلدنا

October 3rd, 2009 - 08:53 AM بوكمارك