قضت 52 يوماً فقط على قرار وقف استيراد الاسمنت ليفاجئ المستهلك بقرار معاكس صدر في الأول من حزيران الجاري.. ومع أن القرار الأول اعتبر حين صدوره خدمة كبيرة في مجال دعم صناعة الاسمنت الوطنية وحمايتها من الإغراق بسبب سعر الاسمنت المستورد بأقل من التكلفة أو المهرب أحياناً، إلا أن القرار الثاني يحمل في طياته الكثير من إشارات الاستفهام حول أسباب صدوره لدرجة إن بعض الاقتصاديين وضعوه ضمن خانة القرارات الاقتصادية المتضاربة التي تصدر بين الحين والآخر والتي باتت حديث المستثمرين على شاشات الفضائيات على أنها إحدى منغصات الاستثمار ومعوقاته.. ‏

وقد ساقوا لتأكيد هذا الاتهام عدة مبررات يأتي في مقدمتها إلحاح بعض التجار المتكرر منذ سبعة أسابيع على فتح باب الاستيراد نظراً لمعرفتهم أن أسعار الاسمنت في إحدى الدول المجاورة تقارب نصف أسعار مبيع المادة محلياً وبالتالي صدور قرار الاستيراد يتيح لهم أرباحاً كبيرة متجاهلين تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية على الصناعة الوطنية والعالمية وإن استيراد الاسمنت يؤدي إلى زيادة الضرر بالصناعة السورية وتخفيض الآثار السلبية اللازمة على صناعة الدولة التي نستورد منها بمعنى نحل أزمة الآخرين على حساب اقتصادنا الوطني... ‏

تراجع حركة البناء ‏

وإذا كانت الحجة لفتح باب الاستيراد هي وجود سوق سوداء للاسمنت محلياً يباع فيها الطن بـ 9 آلاف ليرة سورية.. فإن ظهور هذه السوق في هذا الوقت من السنة وارد لو كانت حركة البناء والعمران في سورية لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية وبقيت تسير بذات وتيرة النمو الذي كانت عليه قبل آب 2008 إلا أنه ووفق دراسات وتقارير رسمية ونقابية فإن حركة البناء المحلية تباطأت لتصل إلى حالة الجمود لولا بعض المشروعات الاستثمارية مقدرة هذه التقارير نسبة التراجع بـ 50% وهو ما يعني إن حاجة السوق من الاسمنت ستنخفض إلى حدود هذه النسبة ولذلك عمدت مؤسسة توزيع الاسمنت في الشهرين الماضيين إلى السماح ببيع الاسمنت على البطاقة العائلية وبكميات تصل إلى خمسة أطنان لكل بطاقة من أجل إفراغ مستودعاتها التي كانت تغص بالاسمنت وهذا ما حصل لتسارع عمران بعد ذلك إلى رفع مذكرات إلى الجهات المعنية مشتكية من أن مستودعاتها خالية من الاسمنت في حين الجواب ما زال عالقاً على السؤال الأول: أين ذهبت مشتريات المواطنين من الاسمنت..؟ ‏

طبعاً عمران لم تكلف نفسها البحث عن الجواب مع أن دراسة السوق وتلبية حاجتها هي من مسؤوليتها..! ‏

110% نسبة التسليمات ‏

ومع أن المؤسسة العامة للاسمنت شعرت باكراً بحجم الكارثة التي ستصيب شركاتها في حال صدور قرار السماح باستيراد الاسمنت فبدأت بمراسلة مؤسسة عمران بكتب متلاحقة تؤكد فيها قدرة الشركات على رفع كميات التسليم إليها خلال الأشهر القادمة من أجل تدارك الأزمة وفي مقدمة هذه الكتب الكتاب رقم 1559 تاريخ 21/5/2009 الصادر عن شركة اسمنت طرطوس إلى »عمران« تعلمها فيه أن خطة التسليمات منذ تاريخه وحتى 30/9/2009 تزيد عن الخطة المقررة وهي 120 ألف طن شهرياً بمعدل 30 ألف طن »مبدئياً« لتصبح 150 ألف طن شهرياً موزعة على الشكل الآتي: ‏

- فرط غير محدد الكمية للوردية الصباحية لأيام الجمع. ‏

- 2000 طن معبأ+ فرط بكميات غير محددة لأيام السبت. ‏

- 5000 طن معبأ+ 2000 طن فرط لأيام الدوام الرسمي. ‏

ويمكن زيادة الفرط مع بقاء كمية المعبأ ثابتة دون تغيير طيلة الفترة المذكورة أعلاه. ‏

وقد بنت الشركة التزامها السابق على عدة معطيات أساسية أهمها قدرة الشركة على زيادة الانتاج إلى أكثر من 150 ألف طن شهرياً وبالتالي هي على استعداد لتسليم مؤسسة عمران 7 آلاف طن اسمنت يومياً خلال أيام الدوام الرسمي و 2000 طن معبأ أيام السبت إضافة إلى كميات غير محدودة من الاسمنت الفرط أي بنسبة تنفيذ للخطة التسليمية لعمران تتجاوز 110% مشيرة إلى أن لديها مخزوناً كبيراً من الكلينكر والاسمنت بلغت لغاية أيار الماضي حوالى 260 ألف طن كلينكر و 37 ألف طن اسمنت أي ما يكفي لزيادة الانتاج 100% خلال أشهر الصيف القادمة. ‏

التحويلات أرهقت السوق ‏

لكن و »لغاية في نفس يعقوب« استمرت »عمران« في دفع قرار السماح بالاستيراد نحو الإقرار في وقت تتكسر فيه »فناجين القهوة« كثمن لتحويل عشرات أصحاب الرخص من محافظات درعا والسويداء وريف دمشق إلى الاستلام من مركز اسمنت طرطوس كاستثناء من الدور وهو اعتراف تام من »عمران« على أن لدى طرطوس الكميات الكافية من الاسمنت لتسليم المحتاجين للمادة وزيادة عنهم المحولين من المحافظات الأخرى، وخلال رصدنا لهذه الظاهرة سجلنا خلال الفترة من 17 وحتى 26 أيار الماضي أي قبل صدور قرار السماح باستيراد الاسمنت بأسبوع قيام بعض فروع عمران في درعا والسويداء ودوما بتحويل 28 صاحب رخصة من المحافظات المذكورة إلى طرطوس لاستلام كميات من الاسمنت تتراوح بين 30 و 60 طناً للرخصة الواحدة لتبلغ الكمية الإجمالية المسلمة خلال الفترة المذكورة للأشخاص المحولين بحدود 870 طناً من الاسمنت، والسؤال الثاني: ألا تعتبر هذه التحويلات سبباً في خلق سوق سوداء ورفع سعر الاسمنت؟.. خاصة إذا ما أضفنا إلى سعر الطن الواحد من الاسمنت تكلفة التحويل وتكلفة نقل كميات الاسمنت المقدرة بألف ليرة على كل طن لأن النقل في هذه الحالة سيكون على حساب صاحب الرخصة وطبعاً سعر طن الاسمنت هنا سيتجاوز الـ 7500 ليرة وبالتالي البائع لن يتنازل عن الـ 9 آلاف ليرة كحد أدنى للطن الواحد.. وطبعاً المستهلك سيشتري من السوق السوداء هرباً من إجراءات »عمران« التي تتطلب منه الانتظار على باب مركز التوزيع يوماً كاملاً لاستلام الكمية التي يحتاجها. ‏

700 ألف شقة فارغة ‏

وبالعودة إلى مقولة: إن حركة البناء في سورية تراجعت بحدود 50% فإن ما يؤكد ذلك الجمود الحاصل منذ شهور في عمليات البيع والشراء للشقق السكنية الفارغة والتي يتجاوز عددها الـ 700 ألف شقة معظمها في دمشق وريفها وحلب وتقدر قيمتها بحوالى 600 مليار ليرة سورية بمعنى أن السوق العقارية مشبعة بالشقق السكنية والحاجة حالياً للبيع وليس للبناء وبما أن استهلاك سورية لمادة الاسمنت كانت في العام الماضي بحدود 8 ملايين طن فإنه وبسبب تراجع الحركة العمرانية إلى النصف فإن المتوقع ألا نستهلك أكثر من الكميات المخطط إنتاجها وفق خطة مؤسسة الاسمنت والمقدرة بـ 5.5 ملايين طن لعام 2009 وهو ما يقودنا إلى السؤال الثالث: لماذا تم فتح باب الاستيراد إذاً في ذات السياق لا بد من الإشارة إلى أنه وبسبب جمود سوق العقارات السورية تراجعت مستورداتنا من الحديد إلى النصف وسجلت شركة حديد حماة خسارة خلال الربع الأول من العام الجاري هي الأولى من نوعها مقارنة بالأرباح التي كانت تحققها خلال السنوات الماضية. ‏

الاسمنت التركي وصل خلال 48 ساعة ‏

ولعل بعض المعلومات التي حصلت عليها »تشرين« تجيب على جزء من الأسئلة السابقة والتي تقول: في اليوم الثاني لصدور قرار السماح بالاستيراد دخلت كمية 25 ألف طن من الاسمنت من تركيا عبر معبر تل أبيض الحدودي وربما مثل هذه الكمية عبر المعابر الأخرى.. كما وصلت أربع بواخر إلى مرفأ طرطوس محملة بأكثر من 15 ألف طن من الاسمنت وذلك في اليوم السابع لصدور القرار ذاته والآن يتم إجراء التحاليل اللازمة لعينات أخذت من هذه الكميات المستوردة من أجل التأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية.. وهنا يستوجب السؤال الرابع:إذا كانت عملية شراء الاسمنت من الخارج تحتاج إلى أسبوعين من الزمن نظراً لما تتطلبه من إجراءات تثبيت البيع وفتح الاعتماد بالقطع الأجنبي والشحن فكيف استطاع هؤلاء التجار إيصال الاسمنت المستورد إلى الحدود السورية خلال 48 ساعة.. لا أعتقد أن أحداً قد همس في آذانهم مؤكداً توقيت صدوره..؟ معاذ الله.. ‏

كما أن قرار السماح باستيراد الاسمنت قد رفع سعر هذه المادة في تركيا من 58 دولاراً للطن الواحد في أرض المعمل في اليوم السابق لصدور القرار إلى 75 دولاراً في اليوم اللاحق له أي بزيادة 17 دولاراً لكل طن تعادل 30% من السعر قبل القرار وبالتالي إدخال كل ألف طن من الاسمنت إلى القطر يتطلب إخراج 75 ألف دولار ما يعني استنزاف حقيقي للقطع الأجنبي في ظل ظروف مالية عالمية صعبة.. ‏

مصلحة المستهلك أولاً ‏

بكل الأحوال إن ما يهمنا من نشر هذا المقال هو تسليط الضوء على خفايا قرار السماح باستيراد الاسمنت وتأثيراته السلبية على صناعة وطنية وضعت الدولة استثمارات فيها تتجاوز قيمتها 100 مليار ليرة وعملت على تطويرها وتحديثها خلال السنوات الماضية من أجل زيادة إنتاجها بما يواكب الحاجة المتزايدة لمادة الاسمنت سنوياً في الظروف الطبيعية. ‏

كما أن صدور قرارين متناقضين لتجارة الاسمنت وفي أقل من شهرين أثار شكوك بعض المستثمرين الراغبين بإقامة مصانع للاسمنت في سورية حول الجدوى الاقتصادية من هذه الصناعة إذا استمرت الاقتصاد في إصدار قرارات الاستيراد بدون دراسة مسبقة لمنعكساتها وفوق هذا وذاك إن هذا الإجراء وضع المستهلك في حالة خوف وهمية من النقص في الاسمنت ما دفعهم إلى التهافت على شرائه سواء من مراكز عمران أو السوق الحرة وعزز هذا الشعور التصريحات اليومية التي يسمعها سواء من التجار أو مؤسسة عمران. ‏

لذلك وحرصاً على المصلحة العامة واستقرار سوق الاسمنت وعودة الأسعار إلى حالتها الطبيعية وحسماً للجدل الحاصل بين مؤسستي الاسمنت وعمران ينبغي على الجهات المعنية خاصة اللجنة الاقتصادية تشكيل فريق عمل ذا خبرة وحيادية للإطلاع على الواقع ميدانياً وفي حال ثبت أن إحدى المؤسستين تدلي بمعلومات غير دقيقة أو مقصرة في عمليات إنتاج وتسويق الاسمنت حينها لا بد من محاسبتها وإصدار التوجيهات بإصلاح الخلل الحاصل، لأن مصلحة المستهلك في توفير المادة وبالسعر الرسمي المحدد فقط، وليس في سماع الصد أو الرد الذي يأتي من هذه الجهة أو تلك..؟ فهل من مجيب..!! ‏


المصدر: تشرين

June 10th, 2009 - 06:24 AM بوكمارك